علي بن محمد الوليد

43

الذخيرة في الحقيقة

أعلاه شرفها وفخرها ، ويتلو المحيط الشمس التي هي مركزه ومركبه ، ومادية التي تستره عن الأبصار وتحجبه ، ويتلوها سائر الأفلاك على توالي مراتبها ، وتفاوت درج بروجها وكواكبها ، وانما وقع التفاوت في هذه المراتب والمنازل ، وعلو العالي ، والانحطاط السافل ، بحسب اجابتها للعاشر ، وسرعة ندم النادم ، وتأخر المتأخر ، فكوفيت على قدر نياتها وضمائرها ، وجوزيت على حسب عقائدها وسرائرها بميزان العدل الذي لا حيف فيه ، ولا خلل ، يعتريه . وهؤلاء المخاطبون هم الذين من أصفاهم أهل الجثة الابداعية الشريفة ، ومن خلفهم في مقاماتهم ، ومن يأتي بعدهم على مر الدهور ، كما توجبه حكمة الحكيم ، وتقتضيه سوابق الأمور ، فلما قابلوا العاشر بالعصيان والمكابرة والمباعدة والمنافرة ، أظلمت ذواتهم ، وتغيرت حالاتهم وانقسموا قسمين : هيولى وصورة ، فكانت الهيولي نفس النساء ، والصورة نفس الحس ، الشائعة في كل صغيرة من الخلقة وكبيرة ، وامتزجت هاتان القوتان ، فصارتا شيئا واحدا ، جنسا من عالم الصفاء ، متباعدا ، فأظلمت تلك الذوات وتكدرت وتنكرت ، إذ جحدت من لزمتها طاعته ، وأنكرت ونكصت على أعقابها وتقهقرت « 1 » ، ولزمتها الثلاثة الأبعاد ، والست الجهات ، وغشيتهم الظلم المتكاثفات ، فلزمهم الطول الأول فاستوحشوا لما عنه عراهم ، وفطنوا لما دهاهم ، وتحققوا خطاهم ، وعلموا أن الشيطان رسول لهم ، وأغواهم وأضلهم عن رشدهم ، وما هداهم وأبعدهم عن عالم الصفا وأقصاهم ، فحينئذ لاذوا بعاشر العقول في اخلاصهم مما فيه ، وقعوا ، واعترفوا بذنوبهم ، وخضعوا واستكانوا وضرعوا ، فقال لهم لا خلاص لكم مما وقعتم فيه ، الا من القامة الألفية ، ولا نجاة الا بعد اطلاعكم على الاسرار العلمية الخفية ، وقيامكم بالاعمال الشرعية ، وطاعتكم لحدود الدين ، ومعرفتكم بتوحيد رب العالمين ،

--> ( 1 ) قهقرت ( في ع ) .