علي بن محمد الوليد

40

الذخيرة في الحقيقة

فأصغوا إلى قوله وسمعوه ، واستحسنوا كلامه واتبعوه ، الا أنهم كانوا في قبوله متفاوتين ، وفي تصوره متباينين ، فمنهم من ندم على اصغائه إلى قول إبليس ، ومخالفة « 1 » العاشر ، ومنعه ما غشيه من تلك الظلمة عن الانتظام في سلك أهل تلك الدوائر ، ومنهم من شك في كلام العاشر ، وفي كلام إبليس ، وصار من كونه بين أن يتبع هذا وهذا في غاية التحير والتلبيس ، ومنهم المصر المستكبر مع إبليس اللعين ، الباقي على الاعتقاد المخالف ، لاعتقاد أهل اليقين المركس ، المعتقدة في أسفل سافلين ، والكل من ذلك العالم مقرون بالغيب تعالى ، الا أنهم لم يعرفوا لأي تلك العقول المنبعثة رتبة ، ولا علموها ، ولا أقروا بها ولا التزموها ، بل كانت معرفتهم برتبة الابداع لا بسواه ، ولم يحققوا من سائر الرتب ما عداه ، إذ كان العاشر الذي انحازوا إليه واتكلوا في الخلاص عليه ، لم يتصور في تلك الوهلة الا مرتبة الابداع ، ولا وحد سواه من المتبوعين ، والاتباع ، فانقسم الجميع منهم ثلاث فرق ، متفاوتة في الصور والاعتقاد ، متساوية في ترك الطاعة لسابقها ، والانقياد ، فمنهم من سبح المبدع الأول وقدسه ، وعرفه ومجده ، وعظمه ، ومنهم من عرفه ولم يمجده ، ولا سبحه ، ولا قدسه ولا عظمه ، ومنهم من لم يعرفه ولم يسبحه ، ولم يقدسه ، فكان الذين سبحوا المبدع الأول وقدسوه ، وهدموا بترك التوسل به إلى غيب الغيوب من الصلاح ما أسسوه ، هم النفس الحسية ، المكنى عنه بحواء الموقع عليها خلافها ، ما وقعت فيه من البلوى ، وهي الحياة النادمة المستغفرة المعرب عنها بالصورة التي جعلت لان تخلف العاشر في يوم ما مذخورة السارية في الأفلاك من المحيط إلى الفلك القمر ، بل فيما بطن من العالم ، وظهر وخفى ، واستتر المحركة لعاليه ودانيه ، وقريبه ونائيه ، نفس عالم الأفلاك بأسره القاضية بارتفاع شأنه وعلو أمره ، والفلك جميعه جسم لهذه الحياة هي له نور ، كنور الشمس وهي لها

--> ( 1 ) المخالفة ( في ع ) .