علي بن محمد الوليد
26
الذخيرة في الحقيقة
الفصل الثالث بداية الفيض - العقل الأول فكان من تلك الأشباح النيرة المعظمة ، والصور اللطيفة المكرمة ، أنه فكر من ذاته بذاته في ذاته لا من معلم عليه يتعلمه ، ولا من ملهم جاد بالهامه ، وتفهيمه ، ولا من مختص أنعم باختصاصه ، ولا من هاد منحه الهداية ، طالبا لخلاصه فنظر إلى ذاته ، وإلى سائر من أوجد معه من عالمه السابق ، شرح صفته ، فعلم أن له ولهم مبدعا ، لا يشبههم ، ولا يساويهم ولا يماثلهم ، ولا يضاهيهم ، واستدل بالصنعة على الصانع الحكيم ، وبالفطرة على الفاطر العزيز العليم ، الذي يتساوى في معرفته هو على جلالة رتبته ، وأدون الخلقة البشرية على ضعة منزلته ، بل لما عاين الصنعة المحكمة استدل بها على صانعها ومحكمها وموجدها ، بعد عدمها ، فنفى عن نفسه ، وعن سائر عالمه الإلهية ، وأقر لمبدعه جل جلاله بالقدرة الجبروتية ، وهي معنى ما قاله : « شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ ، قائِماً بِالْقِسْطِ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 1 » » فكان هو الشاهد لمبدعه ، والدال على موجده ، ووقع عليه اسم الإلهية لولهه في مبدعة ، جل جلاله ، واشتياقه إلى معرفته مع قصوره عن نعته وصفته ، ولم يستطع ان يسمى ولا يكنى ولا يشير ولا يعنى بل قال : لا إله الا هو ووقف وقوف العاجز المتحير ، المتذلل المتحسر ، فلما سبق إلى هذه الفكرة الصافية ، واختص بهذه المحنة الوافية ، غشيه من رحمة
--> ( 1 ) سورة آل عمران ( الآية 18 ) .