ابن ميمون

537

دلالة الحائرين

أمكنه عمل آلة له . ومثال ذلك أنه لو لم يتصور الحداد معنى الخياطة ، وفهمه لما عمل الإبرة على هذا الشكل الّذي لا تتم الخياطة الا به . وهكذا سائر الآلات . فلما زعم من زعم من الفلاسفة ان اللّه لا يدرك هذه الشخصيات لكونها من مدركات الحواس وهو تعالى لا يدرك بحاسة بل ادراكا عقليا ، احتج « 798 » عليهم بوجود الحواس ، وقال : فإذا كان معنى ادراك البصر خفيا عنه لا يعلمه كيف أوجد هذه الآلة المهيئة للادراك البصري ؟ أتراه « 799 » بالاتفاق وقع ان تحدث « 800 » رطوبة ما صافية ودونها رطوبة أخرى كذلك أو دونها طبقة ما اتفق ان انثقبت / فيها ثقبة ، وجاءت امام تلك الثقبة طبقة صافية صلبة . وبالجملة رطوبات / العين وطبقاتها واعصابها التي هي من الاحكام على ما قد علم . وكلها مقصود بها غاية هذا الفعل . أيتصور عاقل ان هذا وقع كيف اتفق ؟ لا بل هو بقصد من الطبيعة ضرورة ، كما بيّن كل طبيب ، وكل فيلسوف . وليست الطبيعة ذات عقل ، وتدبير ، وهذا باجماع من الفلاسفة ، بل هذا التدبير المنهى ، صادر على رأى الفلاسفة عن مبدأ عقلي ، وهو من فعل ذي عقل في رأينا . وهو الّذي طبع هذه القوى في كل ما توجد فيه قوة « 801 » طبيعية . فإذا كان ذلك العقل لا يدرك هذا المعنى « 802 » ولا يصرفه فكيف أوجد أو حصلت عنه على ذلك الرأي طبيعة نقصد نحو هذا الغرض الّذي لا علم له به . وبالحقيقة سماهم : جهالا وأغبياء « 803 » ثم اخذ ان يبيّن ان ذلك نقص في ادراكنا وان اللّه عز وجل الّذي وهبنا هذا العقل الّذي به ندرك ، ومن اجل قصورنا « 804 » عن ادراك حقيقته تعالى

--> ( 798 ) احتج : ت ، فاحتج : ج ن ( 799 ) أتراه : ج ، أترى : ت ( 800 ) تحدث : ت ، حدثت : ج ، حدثة : ن ( 801 ) قوة : ت ج ، القوة : ن ( 802 ) هذا المعنى : ت ، هذه المعاني : ن ، ذلك المعنى : ج ( 803 ) : ا ، بو عريم وكسيليم : ت ج ( 804 ) قصورنا : ت ، قصوره : ج ن