ابن ميمون
518
دلالة الحائرين
فصل طز [ 16 ] [ في : علم اللّه تعالى المحيط بكل شيء ] افتات الفلاسفة على اللّه تعالى في علمه بما سواه افتياتا عظيما « 651 » جدا . وعثروا عثرة لا إقالة لهم منها ولا لمن تبعهم في ذلك الرأي وسأسمعك الشبهات « 652 » التي اوقعتهم في ما افتاتوا / به وسأسمعك أيضا رأى شريعتنا في ذلك ومقاومتنا لهم في آرائهم السيئة الشنيعة في امر علم اللّه . وأكثر ما أوقعهم ذلك ودعاهم إليه أولا هو ما يبدو بأول خاطر من عدم انتظام أحوال اشخاص الانسان ، وكون بعض اشخاص الآدميين الفضلاء في حياة رديئة مؤلمة ، وبعض الاشخاص الشريرين في حياة طيبة لذيذة . فدعاهم ذلك إلى أن قسموا هذا التقسيم الّذي تسمعه الآن فقالوا : لا يخلو الامر من أحد قسمين : اما ان يكون اللّه « 653 » غير عالم بشيء من هذه الأحوال الشخصية ، وغير مدرك لها ؛ أو يكون يدركها ويعلمها . وهذه قسمة ضرورية . ثم قالوا : فإن كان يدركها ويعلمها فلا يخلو الامر من أحد ثلاثة أقسام : اما ان ينظمها ويجريها على أحسن نظام ، واكمله وأتمه ، أو يكون مغلوبا عن نظمها لا قدرة له عليها ، أو يكون يعلم ، ويقدر على النظم والتدبير الجيد ، غير أنه اهمل ذلك على جهة التهاون والاحتقار ، أو على جهة الحسد ، كما نجد من الناس رجلا قادرا على ايصال الخير « 654 » لشخص آخر وعارفا بحاجة ذلك لما بينا له من خيره ، غير أنه لسوء طباعه ، وشرّه وحسده ، يحسده على ذلك فلا يوصله إليه . وهذا التقسيم أيضا ضروري صحيح ، اعني ان كل عالم بأمر ما ، فإنه لا يخلو اما أن تكون له عناية بتدبير ما علم أو يهمل ذلك كما يهمل الانسان في منزله تدبير القطط مثلا أو ما هو أحقر من ذلك والّذي / له العناية بالامر قد يغلب عن تدبيره ، وان أراد ذلك .
--> ( 651 ) افتياتا عظيما : ت ، افتياآت عظيمة : ج ( 652 ) الشبهات : ج ، الشبهيات ج ( 653 ) اللّه : ت ، الاله : ج ( 654 ) الخير : ج ، خير : ت