ابن ميمون

278

دلالة الحائرين

وقد حسن عندي ان أتمم آراء الفلاسفة وأبين دلائلهم في وجود العقول المفارقة وأبين مطابقة ذلك لقواعد شريعتنا اعني وجود الملائكة وأتمم الغرض . وبعد ذلك ارجع لما وعدت به من الاستدلال على حدث العالم . إذ أكبر دلائلنا على ذلك لا تصح / ولا تتبين الا بعد معرفة وجود العقول المفارقة . وكيف استدل على وجودها ، ولا بدّ قبل ذلك كله من تقديم مقدمة هي سراج منير لخفايا هذه المقدمة بجملتها ما تقدم من فصولها وما يتأخر وهي هذه المقدمة . مقدمة : اعلم أن مقالتي هذه ، ما كان قصدي بها ان أؤلف شيئا في العلم الطبيعي أو الخص معاني العلم الإلهى على بعض مذاهب ، أو أبرهن ما تبرهن منها ، ولا كان قصدي فيها / ان الخص واقتضب هيئة الأفلاك ، ولا ان اخبر بعددها . إذ الكتب المؤلفة في جميع ذلك كافية . وان لم تكن كفاية في غرض من الاغراض ، فليس الّذي أقوله انا في ذلك الغرض أحسن من كل ما قيل . وانما كان الغرض بهذه المقالة ما قد أعلمتك به في صدرها وهو تبيين مشكلات الشريعة واظهار حقائق بواطنها التي هي أعلى من أفهام الجمهور . فلذلك ينبغي لك إذا رأيتني أتكلم في اثبات العقول المفارقة وفي عددها أو في عدد الأفلاك وفي أسباب حركاتها ، أو في تحقيق معنى المادة والصورة ، أو في معنى الفيض الإلهى ، ونحو هذه المعاني فلا تظن أو يخطر ببالك انى انما قصدت لتحقيق ذلك المعنى الفلسفي فقط ، إذ تلك المعاني قد قيلت في كتب كثيرة وبرهن على صحة أكثرها ، بل انما اقصد لذكر ما يبيّن مشكل « 124 » من مشكلات الشريعة بفهم وتنحل عقد كثيرة بمعرفة ذلك المعنى الّذي ألخصه . وقد علمت من صدر مقالتي هذه ان قطبها انما يدور على تبيين ما يمكن فهمه من قصة الخلق وقصة الامر « 125 » وتبيين مشكلات تتعلق بالنبوة ، وبمعرفة الإله . فكل فصل تجدني أتكلم « 126 » فيه في تبيين

--> ( 124 ) مشكل : ت ، مشكلا : ج ( 125 ) : ا ، معشه براشيت ومعشه مركبه : ت ج ( 126 ) ، أتكلم : ج ، نتكلم : ت