ابن ميمون

273

دلالة الحائرين

قال : انّا نجد أشياء كثيرة مركبة من محرك ومتحرك يعنى انها تحرك غيرها وتتحرك من غيرها حين ما تحرك . وذلك بيّن بالمتوسطات « 103 » في التحريك كلها ، ونجد متحركا لا يحرك أصلا ، وهو اخر متحرك فيلزم ضرورة ان يوجد محرك لا يتحرك أصلا . وذلك هو المحرك الأول . ومن حيث لا تمكن فيه / حركة ، فهو لا منقسم ولا جسم ولا واقع تحت زمان كما بان في البرهان المتقدم . نظر ثالث فلسفي في هذا المعنى مأخوذ من كلام أرسطو ؛ وان كان جاء به في غرض اخر ، وهذا ترتيب القول . لا شك ان ثم أمورا « 104 » موجودة ، وهي هذه الموجودات المدركة « 105 » حسا ولا يخلو الامر من ثلاثة أقسام وهي قسمة ضرورية : وهي اما أن تكون الموجودات كلها غير كائنة ولا فاسدة ، أو تكون كلها كائنة فاسدة ، أو يكون بعضها كائنا فاسدا ، وبعضها غير كائن ولا فاسد . اما القسم الأول فبين المحال لانّا نشاهد موجودات كثيرة كائنة فاسدة . واما القسم الثاني فهو أيضا محال . وبيانه لأنه ان كان كل موجود واقعا تحت الكون والفساد فالموجودات / كلها ، كل واحد منها ممكن الفساد والممكن في النوع لا بد ضرورة من وقوعه كما علمت ، فيلزم انها تفسد اعني الموجودات كلها ، وإذا فسدت كلها ، محال ان يوجد شيء ، لان لم يبق من يوجد شيئا « 106 » . ولذلك يلزم ان لا يكون شيء موجود بتّة . ونحن نشاهد أشياء موجودة ، وها نحن موجودون فيلزم ضرورة بهذا النظر ان كان ثم موجودات كائنة فاسدة كما نشاهد ان يكون ثم موجود ما لا كائن ولا فاسد . وهذا الموجود الغير كائن ولا فاسد لا امكان فساد فيه أصلا ، بل هو واجب الوجود لا ممكن الوجود . قال أيضا انه لا يخلو كونه واجب الوجود ،

--> ( 103 ) - بالمتوسطات : ت ، كالمتوسطات : ج ( 104 ) أمورا : ج ، أمور : ت ( 105 ) المدركة ت ، المدركات ج ( 106 ) شيئا : ت ، شيء : ج