ابن ميمون

264

دلالة الحائرين

--> كالدائرة ، فإن كان في الحقيقة كما هو عند الحس ، فقد ثبتت الدائرة ، وإن لم يكن في الحقيقة دائرة ، بل يكون بعض أجزائه أرفع ، وبعضها أخفض ، فيكون قد حصل فيه فرج ، فتلك الفرج ان كان لا يسع فيها إلا ما يكون أقل من جزء لزم الانقسام ، وإن كان يسع مثل جزء ملأناها حتى حصل التساوي وثبتت الدائرة ، وإن كان يسع أكثر من واحد ، فإن كان الّذي يسع فيها عددا متناهيا ملأناها حتى حصل التساوي ، وإن كان غير متناه كانت الفرج قابلة الانقسام بغير نهاية ، وهو باطل لوجهين . أحدهما : أن أصحاب الجزء وافقونا على فساده ، والثاني أن مقادير تلك الفرج متناهية ؛ لكونها محصورة بين تلك الأجزاء ، فصغر المقدار وكثره : إنما هو بسبب كثرة الأجزاء وقلتها فاذن هما متناسبان ، لكن مقادير الفرج متناهية ، فالعدد الّذي يسعها متناه . الوجه الثاني : هو أنا إذا أخذنا جسما وثبتنا أحد طرفيه في موضع مخصوص من سطح وأدرنا الطرف الآخر إلى أن ينتهى إلى حيث ابتدأنا بتحريكه ، فلا شك أن موضع الطرف المثبت يصير مركزا للمحيط الّذي يحصل من تركيب الطرف الآخر ، ولما كان مقدار ذلك الجسم واحدا كانت نسبة المركز إلى جميع أجزاء المحيط متساوية ، فالسطح المحصور في ذلك المحيط ، هو الدائرة ، فقد ظهر من هذا فساد مذهب من قال بأن الأجسام مركبة من أجزاء لا تتجزأ ، أو يلزم منه أيضا فساد مذهب من قال : إن الجسم ينقسم بالفعل إلى غير النهاية ؛ لأنه يلزمهم القول بكون الجسم من أجزاء لا تتجزأ ، فان كانوا غير قائلين به ، وذلك لأنهم يقولون : كل ما يمكن من الانقسام في الجسم فهو حاصل بالفعل ، فينعكس انعكاس النقيض أن ما ليس بمنقسم بالفعل ، فليس يمكن أن ينقسم ، فالجسم لما كان كرة بالفعل ، وكل كرة فإنها عبارة عن آحاد ، ففي الجسم حاد وكل واحد من تلك الآحاد لا يقبل الانقسام بالفعل ولا بالقوة . أما بالفعل فإنا فرضناه واحدا ، فلو كان كثيرا بالفعل لما كان واحدا ، وأما بالقوة : فلما لزمهم أن ما ليس بمنقسم بالفعل فليس يمكن أن ينقسم ، فإذا أخذنا عددا متناهيا من تلك الأجزاء ، فلا شك أنه يمكن تركيبها على وجه يحصل لذلك المجموع الأقطار الثلاثة ، وإلا لم يكن تأليف مثل هذه الأجزاء مفيدا للمقدار ، فلا يكون مقدار الجسم حاصلا من تركيبها ، هذا خلف . فإذا ركبناها على الوجه المذكور حصل جسم متناهي المقدار والعدد ، وأيضا يكون لهذا الجسم نسبة إلى سائر الأجسام التي تظنون أنها مركبة من أعداد غير متناهية ، لأنه ثبت أن جميع الأجسام متناهي المقدار ، بعضها بالحس ، وما ليس بمحسوس : فبالبراهين التي سلفت في المقدمة الأولى ، فإذا كان ازدياد المقدار ونقصانه بحسب ازدياد العدد ونقصانه فهما متناسبان ، فنسبة المقدار إلى المقدار هي نسبة متناه إلى متناه ، فنسبة العدد إلى العدد نسبة متناه ، فإذن انقسام الجسم بالفعل إلى غير النهاية باطل ، ومذهب ديمقراطيس أيضا باطل ، لأن تلك الأجزاء متساوية الماهية والحقيقة ، أو يمكن أن يوجد اثنان منها متساويى الماهية والحقيقة ، فيصح من نصفى كل اثنين منهما من الاتصال الرافع للانفصال مثل ما بين نصفى الواحد منها ، وبالعكس ، وحينئذ يلزم أن تكون تلك الأجزاء قابلة للانفكاك والانفصال ، وإذ ثبتت هذه المقدمات فلنبين كون الجسم مركبا من الهيولى والصورة ، فنقول : لما ثبت أن الانقسامات الممكنة في الجسم غير متناهية ، وثبت أن الانقسامات بالفعل متناهية لزم من مجموع هاتين المقدمتين أن يكون لنا جسم يكون واحدا في الحقيقة ، كماء هو عند الحس نقطة ماء ، فإذا ورد عليه الانفصال ، فالقابل للانفصال : لا يمكن ان يكون هو الاتصال ، لأن الاتصال ضد الانفصال ، ولا يكون في الشيء أبدا قوة قبول ضده ، لأن القابل للشئ أبدا قوة قبول ضده ، لأن القابل للشئ يكون موجودا عند وجود المقبول ، والشيء لا يبقى عند طريان ضده ، فاذن القابل للانفصال في الجسم الّذي هو متصل بذاته شيء وراء الاتصال وهو القابل للاتصال والانفصال جمعا ، فذلك القابل هو