ابن ميمون
260
دلالة الحائرين
يط [ 19 ] المقدمة التاسعة عشرة : [ ان كل ما لوجوده سبب فهو ممكن الوجود باعتبار ذاته ] ان كل ما لوجوده سبب فهو ممكن الوجود باعتبار ذاته ، لأنه ان حضرت أسبابه وجد ، وان لم تحضر أو عدمت أو تغيرت نسبتها / الموجبة لوجوده لم يوجد . « 51 »
--> الطبيعية الكامنة فيها ، والقسم الثاني إن لم يتخلف عنه تأثيره بأن يظل موجودا بالفعل دائما ، فلا يكون محله بالقوة في وقت من الأوقات ، وكلامنا فيما يكون وقتا ما بالقوة ثم يخرج إلى الفعل ، وإن تخلف عنه تأثيره بأن لا يخرج ما هو فيه من القوة إلى الفعل فلا شك أنه يكون ذلك التخلف إما لقيام مانع أو لفقدان شرط فيحتاج إلى أمر خارج عنه يزيل ذلك المانع ، أو يحصل ذلك الشرط ، فمزيل المانع أو محصل الشرط الخارج يكون مخرجا لذلك المخرج الّذي هو في الشيء في تأثيره من القوة إلى الفعل ، كالقوى الطبيعية المنضجة للفواكه الكائنة فيها إذا لم يحصل منها ذلك الإنضاج ، إما لقيام مانع كبرد مفجج ؛ أو لفقدان شرط كسخونة الجو فكل ما أزال ذلك المانع أو حصل هذا الشرط كالشمس إذا أمدتها بتسخين الجو فهو مخرج للقوى الطبيعية في تأثيره من القوة إلى الفعل فعلى هذا يكون المخرج الأصلي ذلك الخارج فإذن المخرج للشئ على الإطلاق من القوة إلى الفعل يكون خارجا عنه دائما ، وهذا هو ما أشار إليه بقوله : وهو خارج عنه ضرورة . وأما الوجه الثالث وهو أن يكون ذلك الشيء موجود الذات كامل الصفات فيحدث منه أثر بالفعل بعد أن كان بالقوة فذلك الأثر إما أن يكون في المادة كالصور والأعراض الحالة فيها أو متعلقا بها بضرب من التعلق ، كالنفوس الناطقة أو لا يكون في المادة ولا متعلقا بها ، كالعقول المفارقة ، والقسمان الأولان ممكنان إذا أعد تلك المادة معد فتستعد لنيل الفيض ، من ذلك الفاعل فيحدث فيها ذلك الأثر ، مثاله من الطبيعة أن الشمس موجودة بالفعل فياضة للنور لا قصور فيها ولا تعذر في جهتها في إعطاء النور فإذا لم يستضئ بها شيء فلقصور في استعداده بان لا يكون متلونا أو لا يكون في مقابلتها ، أو يكون بينه وبينها حجاب ، فإذا أعده معد بأن يحصل له هذه الشرائط ويزيل عنه الموانع ، فإنه يفيض النور من الشمس عليه من غير توقف ولا تخلف لكن هذا لا يوجب تغيرا في الفعل لأن ذلك التخلف لم يكن لفوات أمر في الفاعل حتى ينسب إليه تغير بل لنقصان في القوابل ، وحدوث الصور والأعراض في المادة السفلية ليس إلا على هذا الوجه ، فان الحركات الأولية تهيئ هذه المادة لقبول تلك الأشياء فيحدث منهم فيها على حسب كل قابل ما يليق به من غير تغير في الفاعل أصلا إذ لم يتخلف ما تخلف إلا لقصور في القابل لا لفوات صفة في الفاعل . وأما القسم الثالث وهو أن لا يكون ذلك الحادث في المادة ولا متعلقا بها مع أنه لا يصح التغير على الفاعل الموجود الذات الكامل الصفات ، فهل يمكن هذا أو لا يمكن ؟ . فبعض ما سبق منا في المقدمات السالفة ، وما سيأتي في المقدمات الآتية يعينك على الاطلاع على حكم هذا القسم وتتمة القسمين الأولين . ( 51 ) ( الشرح ) . اعلم أن كل ما له سبب فإنه باعتبار ذاته ممكن الوجود والعدم لأنه إن لم يكن ممكن الوجود أو العدم نظر إلى ذاته فاما أن يكون واجب الوجود لذاته أو ممتنع الوجود لذاته لأنه لا واسطة بين الوجود والعدم فإذا لم يكن قابلا لهما كان أحدهما متعينا إما الوجود أو العدم ، فإن كان الأول فهو واجب الوجود لذاته ، وإن كان الثاني فهو ممتنع الوجود لذاته ، وكل واحد منهما لا يمكن أن يكون له سبب ، أما واجب الوجود لذاته فإنه لا يرتفع بارتفاع الغير لكونه واجبا لذاته ، وما له سبب يرتفع بارتفاع الغير وهو ذلك السبب والجمع بينهما متناقض ، وأما الممتنع لذاته فلأن ما له سبب لا بد أن يصير موجودا بوجود ذلك السبب ،