ابن ميمون

258

دلالة الحائرين

--> البحث الأول ، في بيان أن كل متحرك فله محرك غيره . دليله هو أن الجسم إذا تحرك فاما أن يتحرك لأنه جسم ما ، والأول باطل من وجوه : أحدها ، هو أنه لو كان كذلك لكان كل جسم متحركا دائما لأن العلة إذا كانت دائمة لكان المعلول دائما بدوامها ، وليس كذلك . وثانيها ، أن الجسم إن كان متحركا لأنه جسم فلا يخلو إما أن يكون قاصدا إلى جهة معينة أولا يكون ، والأول - باطل من وجهين : أحدهما أنه يجب أن يكون إذا وصل إليها ، فحينئذ لا تكون الجسمية وحدها علة للحركة ، وإلا لما سكن وقد فرضناه كذلك ، هذا خلف . وثانيهما أنه يلزم أن يكون كل جسم قاصدا إلى تلك الجهة بعينها ، ونحن نرى الأجسام متحركة إلى جهات متقابلة كحركة النار إلى فوق وحركة الأرض إلى أسفل ، وإما أن لا يكون الجسم المتحرك قاصدا إلى جهة معينة بل جاز أن يتحرك إلى أي جهة اتفقت ، فليس تحركه إلى بعض الجهات بأولى من الحركة إلى سائر الجهات ، فاما أن يتحرك دفعة إلى جهات مختلفة فهو محال ، أولا يتحرك إلى شيء منها ، فلا يصلح أن يكون الجسم وحده موجبا لحركة نفسه ، وثالثها - لو كان الجسم يتحرك لأنه جسم لاستحال سكونه لأن ما بالذات دائم بدوام الذات . ورابعها - هو أن الجسم قابل للحركة فلا يكون فاعلا لها لأن القابل لا يكون هو الفاعل . وأما القسم الثاني من أصل الكلام : وهو أن يكون الجسم إنما يتحرك لأنه جسم ما ، فحينئذ يكون المحرك تلك الخصوصية لا الجسم من حيث هو جسم فقد ظهر من هذا أن كل جسم متحرك فإنما محركه شيء غير كونه جسما ، ولا ينقض هذا الأصل بالحيوان ، فان الفاعل لحركته هو النفس دون الجسم ، وهي صورة وراء الجسم ، إما مجردة كما في الإنسان أو مقارنة للمادة كما في الحيوانات ، لكن لما كانت النفس خفية الذات غير محسوسة ظن أنه يتحرك بجسمه من غير محرك وهو محال . البحث الثاني في تقسيم المحرك ، وتفسير المتحرك من تلقائه ، فنقول : المحرك إما أن يكون خارجا عن الجسم الّذي يحرك ، وهو التحريك القسري مثل تحريك الإنسان حجرا ، أو يكون ، داخلا فيه متعلقا به ، وهو إما أن يكون بالإرادة أو بالتخير من غير إرادة ، وعلى التقديرين فاما أن تكون تلك التحريكات متحدة على نسق واحد ، أو مختلفة فيحصل أربعة أقسام ، ونحن قد استوفينا فيه الكلام في المقدمات السالفة فلا نعيده . وأما تفسير المتحرك من تلقائه ، فالحكماء مختلفون في استعمال هذا اللفظ فمنهم من جعل المتحرك من تلقائه ، هو الّذي له أن يتحرك بالطبع حركة غير تلك الحركة التي هو بها متحرك ؛ وتلك الحركة مع ذلك لا تكون عن سبب من خارج فعل ، ومنهم من يدخل النبات في جملة المتحرك من تلقائه ويخرج الفلك من أن يكون متحركا من تلقائه ، وهم مع ذلك يمنعون أن يخرج الفلك من ذلك فليس هذا التفسير موافقا لرأيهم ، ومنهم من زاد على هذا التفسير قيدا آخر ، وهو أن يكون له مع ذلك أن لا يتحرك ، فان أخذ هو القيد مطلقا لم يكن الفلك أيضا داخلا في المتحرك من تلقائه ، وإن أخذ هكذا وهو أن يكون له مع ذلك أن لا يتحرك إذا شاء كان داخلا فيه مثل الفلك ، ولا يلزم من صدق قولنا : إذا شاء أن لا يتحرك فإنه لا يتحرك ، إمكان أن يقع تلك المشيئة فيشاء أن لا يتحرك وذلك لا يلزم من صدق الشرطية صدق الحملية