ابن ميمون

246

دلالة الحائرين

--> أما الدعوى الأولى وهي قوله : كل متغير منقسم ففيه شك ، وذلك أن التغير هو الّذي يحدث فيه ما لم يكن فيه ، أو يزول عنه ما كان فيه لأنه إن لم يكن شيء من هذين الأمرين كان ذلك الشيء على حالة واحدة مستمرة ، فلا يكون متغيرا ، هذا خلف ، وإذا كان كذلك فالمتغير لا يجب أن يكون منقسما ، لأن النفس الناطقة - كما سيظهر بعد - جوهر غير منقسم ، ويكون لها تغيرات مثل أن تكون جاهلة ، فتصير عالمة ، وتحدث فيها تصورات كلية مستفادة من التصرف في المتخيلات والمحسوسات ، وكذلك الكيفيات النفسانية مثل الشوق والعشق والفرح والحزن والغضب وغيرها ، فاذن جوهر النفس قابل لهذه التغييرات مع أنه غير منقسم فكيف يصدق أن يقال : كل متغير منقسم . وأما الدعوى الثانية - وهي أن كل متحرك منقسم - ففيه أيضا شك ، وذلك أن الجسم إذا تحرك فإنه يتحرك بحركته السطح وطرفه - وهو الخط - ؛ وطرفه - وهو النقطة - ضرورة ، فعند حركة الجسم تتحرك النقطة أيضا مع أنها غير منقسمة ، وكذلك نقط كثيرة ، مثل نقطتى فلك البروج ، فإنهما تتحركان بحركة معدل النهار ، ومراكز الأفلاك الخارجة المركز تتحرك بحركة الممثلات ، وبالحركة الأولى أيضا ، فلا يصدق أن يقال كل متحرك منقسم . وأما الدعوى الثالثة - وهي قوله وهو جسم ضرورة - فلفظة هو إما أن تكون عائدة إلى المتغير أو إلى المتحرك أو إلى المنقسم ، وفي كل واحد منها شك ، أما إن كان مراده به المتغير أو المتحرك فهو منقوض بالصورتين المذكورتين لأن النفس الناطقة تتغير وليست بجسم ، والنقطة تتحرك وليست جسما ، وإن كان مراده به أن كل منقسم جسم فهو منقوض بالسطح أو الخط ، فان كل واحد منهما منقسم وليسا بجسمين . وأما الدعوى الرابعة - وهي عكس المقدمة السابقة - فلا تلزم صحة هذه إلا بعد صحة تيك لكن صحتها غير ثابتة ، لما ذكرنا من النقوض فصحة هذه غير لازمة اللهم إلا بدليل منفصل واللّه أعلم . ( والجواب ) عن الشك الأول أنا نعنى بالمتغير هنا المتغير بالكيفيات الجسمانية مثل التسخن والتبرد ، وهي الاستحالة فسقط النقض بالتغيرات النفسانية فان قلت إذا قيدت التغير بالكيفيات الجسمانية كان المتغير هو الجسم ، ومنقسم ضرورة ، فأي حاجة إلى جعلها من المقدمات البرهانية ؟ قلت : ليس المراد بالجسم المنقسم بالقوة حتى تصير المقدمة ضرورية بل المراد به المنقسم بالفعل ، فيصير تقدير هذه المقدمة هكذا : المتغير بالاستحالة الجسمانية منقسم بالفعل ، وليست هذه المقدمة ضرورة ، بل هي محتاجة إلى الدليل ، لأن الجسم البسيط واحد في الحقيقة ، كما هو عند الحس ، وليس منقسما بالفعل ، بل بالقوة فحسب ، فإذا تغير من مثل قطعة ما تسخن من مسخن فهو بعد التغير هو ذلك البسيط بعينه ، وأما الموجب لخروج انقسامه من القوة إلى الفعل حتى يقال لما تغير بالكيف فقد انقسم بالفعل فيحتاج إلى برهان يقوم على صحة هذه الدعوى . وبرهان ما أقول أن تأثير المحتل في الجهة التي تلقى المستحيل أقدم من تأثيره في الجهة التي لا تلقاه وإن كان مشتملا عليه فتأثيره مما يلي ظاهره أقدم من تأثيره في ما يلي غوره ، ففي أول