ابن ميمون
227
دلالة الحائرين
ولا يسلّم المدّعى التجسيم كون الأجسام كلها مؤلفة من أجزاء متماثلة ، بل يقول : إن اللّه خالق هذه الأجسام كلها ، وهي مختلفة الجوهر والحقيقة ، وكما أن ليس جسم الأرواث « 2195 » عنده هو جسم كرة الشمس كذلك يقول إن ليس جسم النور المخلوق أعنى السكينة « 2196 » هو جسم الأفلاك والكواكب ولا جسم السكينة « 2196 » أو عمود الغمام « 2197 » المخلوق هو جسم الإله تعالى عنده ، بل يقول ذلك الجسم هو الذات الكاملة الشريفة التي لم تتركب قط ، ولا تغيّرت ولا يمكن تغيّرها ، بل هكذا وجب وجود هذا الجسم وجوبا دائما ، وهو يفعل كل ما سواه بحسب إرادته ومشيئته ، فيا ليت شعري كيف ينقض هذا الرأي السقيم بطرقهم العجيبة التي قد أعلمتك إياها . الطريق الثالث هذا ، قالوا : لو كان الإله جسما لكان متناهيا ، وهذا صحيح وإذا كان متناهيا فله قدر معلوم وشكل معلوم ثابت ، وهذا أيضا لزوم صحيح قالوا : وكل مقدار ، وكل شكل يجوز إن كان يكون الإله أعظم من ذلك المقدار أو أصغر وعلى خلاف ذلك الشكل من حيث هو جسم فتخصصه بمقدار ما وشكل ما يحتاج إلى مخصص وهذا الدليل أيضا سمعتهم يعظمونه وهو أضعف من كل ما تقدّم ، لأنه مبنىّ على المقدمة العاشرة التي قد قد بينّا قدر ما فيها من الشكوك في حق سائر الموجودات إذا قدّر على خلاف طبيعته ، فناهيك في حق الإله . ولا فرق بين هذا وبين قولهم في ترجيح وجود العالم على عدمه أنه يدل على فاعل رجّح وجوده على عدمه لإمكان وجوده وعدمه فأن يقال لهم : فلأىّ شيء لا يطرد هذا في حق الإله تعالى ؟ ويقال إذ وهو موجود ، يلزم أن يكون له مرجح لوجوده على عدمه ، فإنه سيجاوب بلا شك بأن يقول لأن هذا يؤدّى إلى التسلسل ، فلا بد من الانتهاء لواجب الوجود لا إمكان فيه ، فلا يفتقر لموجد . وهذا الجواب بعينه يلزم في الشكل والمقدار لأن كل الأشكال والمقادير الممكنة الوجود
--> ( 2195 ) جسم الأرواث : ت ، جسما الأدوات : ج ن ، جسم النور الأدوات : ز ، جسم النوريات : ى ( 2196 ) : ا ، الشكينه : ت ج ( 2197 ) : ا ، عمود هعنن : ت ج