ابن ميمون
218
دلالة الحائرين
بهذا الشكل ؟ وهكذا يعتبرون جزئيات العالم بأسره حتى إنهم إذا رأوا زهرا مختلف الألوان تعجبوا وتأكّد عندهم هذا الدليل ، وقالوا : هذه ارض واحدة وماء واحد ولأي شيء كان هذا الزهر أصفر وهذا أحمر ؟ هل ذلك إلا بمخصّص . وذلك المخصص هو الإله . فالعالم كله مفتقر لمن يخصصه كله وكل جزء من أجزائه بأحد الجزئيات . وهذا كله يلزم بتسليم المقدمة العاشرة مضافا / إلى كون بعض من يزعم قدم العالم لا يناكرنا في التخصيص كما سنبين . وبالجملة هذا عندي أحسن طريق ولى فيه رأى ستسمعه . طريق سادس « 2157 » زعم بعض المتأخرين أنه عثر على طريق حسنة جدا أحسن من كل طريق تقدّم . وهي ترجيح الوجود على العدم . قال العالم ممكن الوجود عند كل أحد ، لأنه لو كان واجب الوجود لكان هو الإله ونحن إنما نتكلم مع من يثبت وجود الإله ويقول بقدم العالم ، والممكن هو الّذي يمكن ان يوجد ويمكن أن لا يوجد ، وليس الوجود أولى به من العدم ، فكون هذا الممكن الوجود وجد مع استواء حكم وجوده وعدمه ، دليل على مرجّح رجّح وجوده على عدمه . وهذا طريق مقنع جدا وهو فرع من فروع التخصيص المتقدم غير أنه بدّل لفظة مخصص بمرجح ، وبدّل حالات الموجود بوجود الموجود نفسه وغالطنا أو غلط في معنى قول القائل : العالم ممكن الوجود ، لأن خصمنا المعتقد قدم العالم ، يوقع اسم الممكن في قوله : العالم ممكن الوجود ، على غير المعنى الّذي يوقعه عليه المتكلم ، كما نبيّن . ثم إن قوله : إن العالم مفتقر لمرجح يرجح وجوده على عدمه موضع وهم عظيم جدا ، لأن الترجيح ، والتخصيص إنما يكون لموجود ما قابل لأحد الضدين أو لأحد المختلفين على السواء فيقال منذ / وجدناه بحالة كذا ولم نجده بالحال الأخرى دليل على صانع قاصد كأنك قلت : إن هذا النحاس ما هو بقبول صورة الإبريق أولى منه بقبول صورة المنارة . فمتى وجدناه منارة
--> ( 2157 ) سادس : ت ، سادسة : ج