ابن ميمون
216
دلالة الحائرين
أن تكون مفترقة ، فقط لما اجتمعت أبدا وكذلك لو كانت ذاتها وحقيقتها تقتضى أن / تكون مجتمعة فقط ، لما افترقت ابدا ، فإذا لا الافتراق أولى بها من الاجتماع ، ولا الاجتماع أولى بها من الافتراق ، فكونها بعضها مجتمع وبعضها مفترق وبعضها تتبدل عليه الحالات ، تارة يجتمع ، وتارة يفترق دليل على كونها أعنى هذه الجواهر مفترقة لمن يجمع المجتمع منها ولمن يفرق المفترق منها ، فهذا ، قالوا : دليل على كون العالم محدثا ، فقد بان لك أن صاحب هذه الطريق استعمل المقدمة الأولى من مقدماتهم ، وكل ما يلزم عنها . طريق رابع « 2154 » قالوا : العالم كله مركّب من جوهر وعرض . ولا ينفكّ جوهر من الجواهر عن عرض أو أعراض . والأعراض كلها حادثة ، فيلزم أن يكون الجوهر الحاصل لها حادثا ، لأن كل مقارن للحوادث ولا ينفكّ عنها فهو حادث . فالعالم بجملته حادث . فان قال قائل : لعل الجوهر غير حادث والأعراض هي الحادثة المتعاقبة عليه شيء بعد شيء إلى لا نهاية . قالوا : فيلزم أن تكون حوادث لا نهاية لها ، وهذا قد وضعوه محالا . وهذه الطريقة هي أحذق الطرق وأحسنها عندهم ، حتى إن كثيرين ظنوها برهانا فقد تسلّم في هذه الطريق ثلاث مقدمات تحتاج إلى ما لا خفاء به على أهل النظر . إحداهنّ : أن ما لا نهاية له على جهة التعاقب محال . والثانية : / أن كل / عرض حادث ، وخصمنا الّذي يدّعى قدم العالم يناكرنا في عرض من الأعراض وهو الحركة الدورية ، لأن أرسطو يزعم أن الحركة الدورية غير كائنة ، ولا فاسدة ، ولذلك يكون عنده ذلك المتحرك الّذي له وجدت هذه الحركة غير كائن ، ولا فاسد ، فلا فائدة لنا في إثبات حدوث سائر الأعراض التي خصمنا لا يناكرنا في حدوثها ويدّعى أنها متعاقبة على غير حادث بالدور ، وكذلك يدّعى في ذلك العرض وحده وهو الحركة
--> ( 2154 ) رابع : ت ، رابعة : ج