ابن ميمون
209
دلالة الحائرين
فنقض المتكلم هذا الجواب كله بتلك المقدمات التي له على ما أصف لك وذلك أنه يقول : لا صورة موجودة ، كما تزعم أصلا ، تقوّم الجوهر حتى تجعلها جواهر مختلفة / بل الكل أعراض كما بينّا من قولهم في المقدمة الثامنة ثم أنه يقول : لا اختلاف بين جوهر الحديد وجوهر الزبد والكل مؤلّف من جواهر أفراد متماثلة كما بينّا من آرائهم في المقدمة الأولى التي يلزم عنها ضرورة المقدمة الثانية والثالثة كما بينّا . وكذلك المقدمة الثانية عشرة محتاج إليها في اثبات الجوهر الفرد . ولا يصح أيضا عند المتكلم أن تكون أعراض ما تخصص هذا الجوهر حتى يكون بها مهيّئا مستعدّا لقبول أعراض / ثوان لأن لا يحمل عنده عرض عرضا كما بينّا في المقدمة التاسعة ، ولا للعرض بقاء كما بينّا في المقدمة السادسة . فإذا صح للمتكلم كل ما أراد بحسب مقدماته ، وكان الحاصل من ذلك أن جواهر الزبد والحديد جواهر واحدة متماثلة ، ونسبة كل جوهر منها إلى كل عرض نسبة واحدة . وما هذا الجوهر أولى بهذا العرض من هذا وكما أن هذا الجوهر الفرد ما هو بأن يتحرك أولى منه بان يسكن ، كذلك ما جوهر منها أولى بأن يقبل عرض الحياة أو عرض العقل أو عرض الحس من جوهر آخر ، وكثرة الجواهر وقلتها لا تزيد في ذلك شيئا . إذ العرض إنما وجوده في كل جوهر وجوهر منها كما بينّا من قولهم في المقدمة الخامسة . فيلزم بحسب هذه المقدمات كلها أن ما الإنسان أولى بأن يعقل من الخنفس « 2130 » ويلزم ما قالوا من التجويز في هذه المقدمة . ومن أجل هذه المقدمة / كان السعي كله ، لأنها آكد شيء في إثبات كل ما يراد إثباته كما سيبيّن . تنبيه : اعلم يا أيها الناظر في هذه المقالة ، انك إن كنت ممن علم النفس وقواها وتحقق كل شيء على حقيقة وجوده ، فقد علمت أن الخيال موجود لأكثر الحيوانات ، أما الحيوان الكامل كله اعني الّذي له قلب ، فان وجود الخيال له بيّن وإن الإنسان لم يتميّز بالخيال ولا فعل الخيال ، فعل
--> ( 2130 ) الخنفس : ت ، الخنفسة : ن ، الخفاش : ى