ابن ميمون

200

دلالة الحائرين

المقدمة الرابعة [ في الاعراض ] هي قولهم : إن الأعراض موجودة وهي معان زائدة على معنى الجوهر ولا ينفكّ جسم من الأجسام من أحدها . وهذه المقدمة لو اقتصر فيها على هذا القدر ، لكانت هذه مقدمة صحيحة بيّنة واضحة لا ريب فيها ولا شبهة ، لكنهم قالوا : إن كل جوهر إن لم يكن فيه عرض الحياة ، فلا بد له أن يكون له عرض الموت لان كل ضدّين فلا يخلو القابل من أحدهما قالوا : وكذلك يكون له لون وطعم ، وحركة أو سكون ، واجتماع أو افتراق . وإن كان فيه عرض الحياة فلا بد فيه من أجناس أخرى من الأعراض كالعلم أو الجهل أو الإرادة أو ضدها / أو القدرة أو العجز أو الإدراك أو أحد اضداده وبالجملة كل ما يوجد للحى فلا بد له منه أو من أحد اضداده . المقدمة الخامسة [ في عدم انفكاك الجوهر الفرد عن الاعراض ] هي قولهم : إن الجوهر الفرد تقوم به تلك الأعراض ، ولا ينفكّ منها . وتبيين هذه المقدمة ومعناها أنهم يقولون : ان هذه الجواهر الأفراد التي يخلقها اللّه كل جوهر فرد منها ذو أعراض لا ينفكّ منها ، مثل اللون والرائحة والحركة أو السكون إلا الكمّ . فان كل جوهر منها ، ليس هو ذا كمّ لأن الكم عندهم ما يسمّونه عرضا ولا يعقلون معنى العرضية فيه ، وبحسب هذه المقدمة يرون أن كل أعراض توجد في جسم من الأجسام فلا يقال إن عرضا منها مخصوص بجملة ذلك الجسم بل ذلك العرض ، هو عندهم موجود في كل جوهر فرد من الجواهر التي تالّف منها ذلك الجسم . مثال ذلك هذه القطعة من الثلج ليس البياض موجودا في الجملة كلها فقط ، بل كل جوهر وجوهر من جواهر هذا الثلج هو الأبيض « 2101 » ولذلك وجد البياض في مجموعها . وكذلك قالوا في الجسم المتحرك كل جوهر فرد من جواهره هو المتحرك ولذلك تحرك جميعه وهكذا الحياة موجودة عندهم في كل جزء

--> ( 2101 ) الأبيض : ت ، البياض : ن