ابن ميمون
168
دلالة الحائرين
عليه ذلك ويرى أن علم صحة لزوم ذلك امر يفوت الأذهان ، وهذا المعنى هو معنى برهاني واضح . بحسب ما بيّنوه الفلاسفة المتألّهون . وها أنا أفهمك ما برهنوه . اعلم أن الإنسان قبل أن يعقل شيئا فهو عاقل بالقوة فإذا عقل شيئا ما ، كأنك قلت إذا عقل صورة هذه الخشبة المشار إليها وانتزع صورتها من مادتها ، وتصوّر الصورة مجردة ؛ إذ هذا هو فعل العقل ، فحينئذ صار عاقلا بالفعل والعقل الّذي حصل بالفعل هو صورة الخشبة المجردة / التي في ذهنه ، لان ليس العقل شيئا غير المعنى المعقول . فقد تبيّن لك أن الشيء المعقول هو صورة الخشبة المجردة وهي العقل الحاصل بالفعل وليس هو شيئين عقلا . وصورة الخشبة المعقولة ، لان ليس العقل بالفعل شيئا غير ما عقل ، والشيء الّذي به عقلت صورة الخشبة وجرّدت الّذي هو العاقل هو العقل الحاصل بالفعل بلا شك ، لان كل عقل فعله ، هو ذاته وليس العقل بالفعل شيئا ، وفعله شيئا آخر ، لان حقيقة العقل وماهيته هي الإدراك ، فلا تظنّ أن العقل بالفعل شيء ما موجود على حياله منفصل « 1923 » عن الإدراك والإدراك معنى آخر فيه ، بل نفس العقل وحقيقته إدراك . فمتى فرضت عقلا موجودا بالفعل هو الإدراك لما عقل وهذا بيّن جدا لمن حاول أمثال هذا النظر . فقد بان أن العقل فعله الّذي هو إدراكه هي حقيقته وذاته ، فاذن الشيء الّذي به جرّدت صورة هذه الخشبة وأدركت الّذي هو العقل هو العاقل ، لأن ذلك العقل بعينه هو الّذي جرّد الصورة وأدركها ، وهذا هو فعله الّذي من أجله قيل فيه إنه عاقل وفعله هو ذاته . وليس لهذا الّذي فرض عقلا بالفعل ، إلا صورة هذه الخشبة . فقد بان أنه متى ما كان العقل موجودا بالفعل ، فان العقل هو الشيء المعقول ، وتبيّن أن كل عقل فعله الّذي هو كونه عاقلا ، هو ذاته ، فاذن العقل والعاقل والمعقول « 1924 » شيء واحد بعينه ابدا في كل ما يعقل بالفعل .
--> ( 1923 ) منفصل : ت ، منفعل : ج ( 1924 ) والمعقول : ت ج ، والشيء المعقول : ن