ابن ميمون

138

دلالة الحائرين

فناهيك أن تكون ماهيته مركّبة ، فتدل الصفة على جزئيها . ناهيك أن تكون له أعراض ، فتدل الصفة أيضا عليها ، فلا صفة ايجاب بوجه . اما صفات النفي فهي التي ينبغي ان تستعمل لإرشاد الذهن لما ينبغي أن يعتقد فيه تعالى ، لأنها لا يلحق / من جهتها تكثير بوجه ، وهي ترشد الذهن لغاية ما يمكن الانسان أن يدركه منه تعالى . مثال ذلك : أنه تبرهن لنا وجوب وجود شيء غير هذه الذوات المدركة بالحواسّ والمحاط بعلمها بالعقل ، فقلنا عن هذا إنه موجود ، المعنى ، أنه يستحيل عدمه . ثم أدركنا أن هذا الموجود ليس هو مثل وجود الاسطقسات مثلا ، التي هي أجسام ميّتة ؛ فقلنا إنه حي ، المعنى انه تعالى ليس بمائت . ثم أدركنا ان هذا الموجود أيضا ، ليس هو « 1602 » مثل وجود السماء ، التي هي جسم حي ، فقلنا إنه ليس بجسم . ثم أدركنا أن هذا الموجود ليس هو مثل وجود العقل ، الّذي ليس هو بجسم ولا مائت لكنه معلوم ، فقلنا إنه تعالى قديم ، المعنى ليس له سبب أوجده . ثم ادراكنا ان هذا الموجود ليس وجوده ، الّذي هو ذاته ، انما هو كاف له فقط ، أن يكون موجودا ، بل تفيض « 1603 » عنه وجودات كثيرة ، وليس ذلك كفيض الحرارة عن النار ، ولا كلزوم الضوء عن الشمس ، بل فيض يمدّها دائما بقاء وانتظاما بتدبير محكم ، كما سنبين . فقولنا فيه من أجل هذه المعاني إنه قادر وعالم ومريد ، والقصد بهذه الصفات أنه ليس بعاجز ولا جاهل ، ولا ذاهل ولا مهمل ، ومعنى قولنا : ليس بعاجز ، أن وجوده فيه كفاية لايجاد أشياء اخر غيره ، ومعنى قولنا : لا جاهل ، أنه مدرك اى حىّ ، لان كل مدرك حىّ . ومعنى قولنا : لا ذاهل ولا مهمل ، أن جميع تلك الموجودات جارية على نظام / وتدبير ،

--> ( 1602 ) ليس هو : ت ج ، هو ليس : ن ( 1603 ) تفيض : ت ج ، فائض : ن