ابن ميمون
129
دلالة الحائرين
كما قيل : كرأفة أب ببنيه « 1538 » ، وقال : أشفق عليهم كما يشفق الانسان على ابنه « 1539 » ، ليس انه تعالى ينفعل ويرقّ ، لكن مثل ذلك الفعل الّذي يصدر من الأب على الولد الّذي هو تابع لرقة وشفقة وانفعال محض يصدر عنه تعالى في حقّ أوليائه ، لا عن / انفعال ، ولا عن تغيّر . وكما انا نحن إذا أعطينا شيئا لمن لا حق له علينا تسمى ذلك في لغتنا نعمة « 1540 » كما قال . اغتفروها « 1541 » ، الذين رزقهم اللّه « 1542 » ، فان اللّه قد أنعم عليّ « 1543 » ، ومثل هذا كثير . وهو تعالى يوجد ويدبّر لمن لا حق له عليه في ايجاده ، وتدبيره . فلذلك سمّى رؤوفا « 1544 » ، وكذلك نجد أفعاله الصادرة في الآدميين من آفات عظيمة تنزل ببعض أشخاص تدمرهم أو امر عامّ مهلك لقبائل ، بل لإقليم تفنى الولد وولد الولد ولا تخلّى لا حرثا ولا نسلا ، كالخسوف والزلازل والصواعق المهلكة ، وكحركة قوم على آخرين لإبادتهم بالسيف ومحو أثرهم . وكثير من هذه الأفعال التي لا تصدر من أحدنا في حق اخر ، الا عن غضب شديد ، أو حقد عظيم ، أو طلب ثار . فسمّى بحسب هذه الأفعال : غيورا ومنتقما وحاقدا وذا غضب « 1545 » ، يعنى ان الأفعال التي مثلها ، تصدر عنا عن هيئة نفسانية ، وهي الغيرة أو الأخذ بالثار ، أو الحقد ، أو الغضب تصدر عنه تعالى بحسب استحقاق الذين عوقبوا لا عن انفعال بوجه ، تعالى عن كل نقص . وهكذا الأفعال كلها هي أفعال تشبه الأفعال الصادرة عن الآدميين عن انفعالات وهيئات نفسانية وهي صادرة عنه تعالى ، لا عن معنى زائد على ذاته أصلا .
--> ( 1538 ) [ المزمور 103 / 13 ] ، كرم أب على بنيم : ت ج ( 1539 ) [ ملا خى 3 / 17 ] ، وحملتى عليكم كاشر يحمل أيش عل بنو : ت ج ( 1540 ) نعمة : ا ، حنينه : ت ج ( 1541 ) : ع [ القضاة 21 / 22 ] ، حنوى اوتم : ت ج ( 1542 ) : ع [ التكوين 33 / 5 ] ، اشرحنن الهيم : ت ج ( 1543 ) : ع [ التكوين 33 / 11 ] ، كي حتى الهيم : ت ج ( 1544 ) : ا ، حنون : ت ج ( 1545 ) : ع [ نحوم 1 / 2 ] ، قنا ونوقم ونوطر وبعل حمة : ت ج