أبو سعيد بن نشوان الحميري
مقدمة 47
الحور العين
وكان الضّيزن ملكا من قضاعة بالحضر عظيم الملك ، فلم ينج بذلك من الهلك ، وغزاه سابور ذو الأكتاف الفارسىّ ، وللدّهر السهام الصائبة والقسىّ ، فأطال عليه مدّة الحصار ، وما قدر منه على انتصار ، فهمّ عنه بالاقلاع ، حتى كان من النضيرة اطّلاع ، فرأت سابور فعشقته ، فرمت أباها بالحتف ورشقته ، وخانته وهي عنده أمينه ، وأرسلت إلى سابور أنها له بالفتح ضمينه ، وشارطته على النكاح والإيثار ، وأعلمته أن عورة الحصن من الثّرثار ، وغبقت أباها المدام ، وسقت الحرس والخدّام ، وأرسلت إليه من شدة الغلمة ، عند اعتكار الظّلمة ، أن ايت من السّرب ، فهذه هي ليلة القرب ، فبعث إليها بالأبطال ، فقضى الدين بعد المطال ، وطلع الفجر على أهل الحصن بالذّما ، وبلّت العراص منه بالدّما ، فقتل سابور الضّيزن وقومه ، ولن يعد معمّر يومه ، وبدل الحصن خرابا بحده ، وغضارة الأيام إلى مده ، وأصبح خرابا تضغو به الثعالب ، وللقدر أسباب وجوالب ؛ وبات سابور بالنّضيرة معرّسا ، وكان في العواقب متفرّسا ، فتجافى جنبها عن المهاد ، فسألها عما لقيت من السهاد ، فشكت خشونة المضجع ، ومنعها ذلك أن تهجع ، فقال : إنه فراش حشوه زغب النعام ، لا ما يتّخذ من وبر الأنعام ، ولم تنم الملوك على ألين ولا أوطأ منه ، فما تجافيك أيتها المرأة عنه ؟ ونظر إلى ورقة من آس بين عكنتين من عكنها ، فتناولها فسال موضعها دما من بدنها ؛ فقال : بم كان يغذوك أبواك ، في طول مقامك معهما ومثواك ؟ فقالت : بالمخّ والزبد ، وصفو الخمر والشهد ؛ فقال : إذا كان هذا حالك عندهما ، فلن تصلحى لأحد بعدهما ، وينبغي ألّا أركن إليك ، وقد فعلت ما فعلت بأبويك ! وأمر بها فشدّت ذوائبها بين فرسين فقطعاها ، ما رعت الصّنيعة ولا رعاها . وصلاح الدهر إلى فساد ، وكم رحم غابط من الحساد ، ولكل أجل كتاب ، وليس من الزّمن إعتاب ؛ أهون بأمّ دفر ، وأيامها الشبيهة بأيّام النّفر ، فتنت منها الرجال بكعاب ، غير بريّة من ألعاب ، تخدع البعولة تحت النكاح ، خديعة الزّباء