أحمد بن سليمان
329
حقائق المعرفة في علم الكلام
ليكون العبد خائفا لقيام الساعة وهجوم الموت في كل وقت وحين ، وليكون مستعدّا للموت ونزوله في جميع الأوقات ، وليكون ذلك أقرب للبلاء وأنفع للمبتلى ؛ ولأنه لو كان العبد يعلم وقت قيام الساعة ووقت هجوم الموت عليه لكان أكثر الناس يتبع الشهوات ويلهو « 1 » عن الصلوات وجميع الواجبات ، فإذا قرب منه الموت وعلمه وتحقّقه تاب ورجع من سيّئ أفعاله وأناب ، وكان هذا خارجا من الحكمة ومجانبا للبليّة ، وسببا لكثرة الفساد ، ومسقطا لحقوق اللّه وحقوق العباد ، وإغراء بالمعصية ، فصحّ أن اللّه تعالى أخفى وقت الساعة ، ووقت هجوم الموت لصلاح العباد . واعلم أن الغفلة ونسيان الموت « 2 » وطول الأمل أضرّ ما يكون على الإنسان ؛ ولأن ذلك يدعو إلى اتّباع الهوى ، وبيع الباقي بما يزول ويفنى . وقد روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : « أخوف ما أخاف على أمتي الهوى وطول الأمل ، أما الهوى فيضل عن الحق ، وأما طول الأمل فيصد عن الآخرة ، وهذه الدنيا مرتحلة ذاهبة ، والآخرة قادمة ؛ ولكل واحد منهما بنون ، فإن استطعتم أن تكونوا من أبناء الآخرة فافعلوا ، وأنتم اليوم في دار عمل ولا حساب ، وأنتم غدا في دار حساب ولا عمل ، وأنتم اليوم في المضمار وغدا في السباق ، والسابق إلى الجنة ، والمتخلّف إلى النار ، وبالعفو تنجون ، وبالرحمة تدخلون ، وبأعمالكم تقتسمون » .
--> ( 1 ) في ( أ ) : ويسهى . وفي ( ش ) : ويسهو . ( 2 ) في ( ص ، م ) : والنسيان للموت .