أحمد بن سليمان
297
حقائق المعرفة في علم الكلام
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 5 ] ، ولم يذكر عنهم أنهم يستغفرون لأنفسهم ، وذلك أن اللّه تعالى « 1 » قد خلقهم شدادا أهل قوّة ، قال اللّه تعالى : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى [ النجم : 5 ، 6 ] ، وقال : عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] ، فوصفهم بالقوة والشّدة ، وعصمهم عن الغذاء والنّكاح ، وخوف الخلق ، فأمكنهم ما هم عليه من طاعة اللّه تعالى . واعلم أنه لا يكون العبد شاكرا لربّه حتى يكون مستصغرا لحسناته ، مستعظما لسيئاته ، وذلك لكثرة نعم اللّه عليه ، وعلمه بسره وجهره وقدرته عليه . وقد روي أن أعرابيا سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن صفة المحبّين للرحمن ، فأمر عليّا عليه السّلام أن يخبره ، فقال له عليّ عليه السّلام : ( يا بادي خذ عني صفة المحبين : عبد استصغر بذله في اللّه ، واستعظم ذنبه ، وظنّ أنه ليس في السّماوات ولا في الأرض مأخوذ غيره « 2 » ) قال : فصعق الأعرابي ، فلما أفاق قال : أخبرنا يا ابن أبي طالب : هل يكون في حالة أحد أعلا من هذا العبد ؟ قال : نعم ؛ سبعين درجة . ومما يدل على صحة ما قلنا « 3 » : أنك لو عظّمت أجنبيا « 4 » لا نعمة له عليك ؛ أنه يستكثر منك النّعمة ويستعظمها ، ويكون ذلك منك إليه
--> ( 1 ) في ( ش ، ي ) : وذلك لأن اللّه تعالى . ( 2 ) في ( ي ) : مؤاخذ غيره . ( 3 ) في ( ش ) : ما قلناه . ( 4 ) في ( ص ، م ، د ) : لو أطعمت أجنبيّا .