السيد عبد الله الشبر
56
حق اليقين في معرفة أصول الدين
القدسية كلامه تعالى ، ولأن الغرض من إيجاده الخلق العبادة على ما يريد كما قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ولا يتحقق ذلك بدون خطاب اللّه تعالى وكلامه ، وحيث كان الكلام مركبا من الحروف والأصوات ، فالكلام عرض يقوم بالغير وهو حادث ضرورة فيكون الغير الذي يقوم به الكلام محلا للحوادث فيكون الغير حادثا ، وحينئذ فمعنى كونه تعالى متكلما أنه موجد للكلام في جسم من الأجسام كما أوجد الكلام وخلقه في شجرة الطور لموسى عليه السّلام . وكذا في طبقات الأفلاك فتسمع الملائكة ، وكذا في قلوب الأنبياء والرسل ، وقد يوجد النقوش في الألواح السماوية وتقرؤها الملائكة فينزلون بالوحي ، أو يوجدها في قلوب الملائكة والأنبياء والأوصياء ، وكيف كان فالغرض من وصفه تعالى بالكلام قدرته تعالى على إيجاد الكلام لعموم قدرته ، فإنها كما مر تعم جميع المقدورات ومنها خلق الحروف والأصوات فلعموم قدرته على كل شيء نقول إن اللّه على كل شيء قدير ، ومن قدرته الخاصة الجزئية على إيجاد الكلام نقول إنه متكلم كما يقال زيد نجار وزراع أي يقدر على النجارة والزراعة ، ويقال إنه قادر ويراد العموم ، ونفس الكلام حينئذ من صفات الأفعال الحادثة كالخالقية والرازقية ، ويدل على حدوثه العقل والنقل . أما العقل فلأن الكلام مركب من الحروف المتتالية التي يتقدم بعضها بعضا ويسبق بعضها على بعض فيكون حادثا . وأما النقل فلقوله تعالى : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ والذكر هو القرآن لقوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وقوله تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وقوله تعالى : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ وقد وصفه اللّه تعالى بالحدوث ، وإنما أفرد صفة التكلم بالذكر مع أنه من صفات الأفعال لأن عليه بناء التكليف ومبنى البعثة وإنزال الكتب والوحي من اللّه تعالى . ولا ريب أن الخطاب قبل وجود المخاطب لغو صريح وهو في حق الحكيم غير صحيح وقد قال اللّه تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً ويا نوح ويا آدم ويا إبراهيم وأمثال ذلك ، فلو كان الكلام قديما كيف يحسن الخطاب . والحنابلة ذهبوا إلى أن كلامه تعالى حروف وأصوات وهي قديمة ، بل قال بعضهم بقدم الجلد والغلاف أيضا . والكرامية ذهبوا إلى أن كلامه تعالى صفة له مؤلفة من الحروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى . والأشاعرة أثبتوا الكلام النفسي وقالوا إن كلامه تعالى معنى واحد بسيط قائم بذاته