السيد عبد الله الشبر
53
حق اليقين في معرفة أصول الدين
مريد لطاعات عبيده لا على سبيل الحتم بل باختيارهم ، وإرادته لأفعال ذاته عبارة عن علمه الموجب لوجود الفعل في وقت دون وقت بسبب اشتماله على مصلحة داعية إلى الإيجاد في ذلك الوقت دون غيره ، ومعنى إرادته لأفعال عبيده انه أراد إيقاع الطاعات منهم على وجه الاختيار ، ومعنى كراهته تعالى علمه الموجب لانتفاء الفعل في وقت دون وقت بسبب اشتماله على مفسدة في الإيجاد قبل وقته ، ومعنى كراهته تعالى لأفعال غيره نهيه إياهم عن إيقاع المعاصي المفسدة لهم على وجه الاختيار . والدليل على أنه تعالى مريد لأفعاله أنه خصص إيجاد الحوادث بوقت دون وقت وعلى صفة دون أخرى مع عموم قدرته وكون الأوقات والصفات كلها صالحة للإيجاد بمقتضى القدرة ، فلا بد من مرجح للوقت والشكل والصفة لاستحالة الترجيح بلا مرجح عقلا وذلك هو الإرادة ، فيكون تعالى مريدا لأفعاله وهو المطلوب . والدليل على أنه تعالى كاره لأفعال ذاته أنه ترك إيجاد الحوادث في وقت دون وقت والأوقات كلها صالحة للترك بمقتضى القدرة فلا بد من مخصص ومرجح وهو الكراهة . والدليل على أنه تعالى مريد لأفعال عبيده وكاره لبعضها أنه تعالى أمرهم بالطاعة فيكون مريدا لها ، ونهاهم عن المعصية فيكون كارها لها ، إذ الحكيم لا يأمر إلا بما يريد ولا ينهى إلا بما يكره ، وحينئذ فإرادته تعالى ترجع إلى العلم بالأصلح ، وكراهيته إلى العلم بالمفسدة . وقد صرح بهما في الكتاب والسنة قال تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ « 1 » . وقال تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 2 » . وقال تعالى : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا « 3 » . وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ وقال تعالى : وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ « 4 » . وقال تعالى : كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً « 5 » . وقد ورد في جملة من الأخبار أنه لا يقع في الوجود شيء إلا بإرادة اللّه تعالى . وقد ثبت أن اللّه لا يريد المعاصي والشرور والكفر والزندقة وان جميع ذلك غير مراد له تعالى وغير مرضي له ، ويمكن التطبيق بين ذلك بأحد وجوه :
--> ( 1 ) سورة البقرة ؛ الآية : 185 . ( 2 ) سورة يس ؛ الآية : 82 . ( 3 ) سورة التوبة ؛ الآية : 55 . ( 4 ) سورة الحج ؛ الآية : 16 . ( 5 ) سورة الإسراء ؛ الآية : 38 .