السيد عبد الله الشبر
49
حق اليقين في معرفة أصول الدين
واعتمد على الباقيتين من الجانب الآخر لما ثبت ، وتأمل في حكمة اللّه كيف أذل الحمار للطحن والحمولة وهو يرى الفرس منعما والبعير لا يطيقه عدة رجال لو استعصى كيف ينقاد للصبي ، والثور القوي كيف ينقاد لأضعف الناس للحرث والسقي ، والقطيع من الغنم كيف يذل للراعي ولا يتفرق ، وكذلك جميع الأصناف المسخرة للإنسان ، وتفكر في الدابة كيف جعلت عيناها شاخصتين أمامها لتبصر ما بين يديها لأن لا تصدم حائطا أو تتردى في حفرة ، وشق فمها من الأسفل ليسهل تناولها بلا يد ، واعتبر بما في ذنبها من المنافع العظيمة ففيه ستر دبرها وحيائها معا وتذب به الذباب المؤذي لها وفي تحريكه وتقلبه راحة لها وفيه استعانة لاستخراجها من الوحل ، ثم افتكر في ظهرها كيف جعل مسطحا على قوائم أربع ليتمكن من ركوبها وجعل حياها بارزا من ورائها ليتمكن الفحل من ضربها ، وكيف كسيت البهائم هذه الكسوة من الشعر والوبر والصوف ليقيها من الحر والبرد ، وفي الأظلاف والحوافر والأخفاف لتقيها من الحفا إذ كان لا أيدي لها ولا أكف ولا أصابع مهيآت للغزل والنسج فجعلت كسوتهم في خلقتهم باقية عليهم ما بقوا . وتفكر في خلقة عجيبة جعلت في البهائم فإنهم يوارون أنفسهم إذا ماتوا كما يواري الناس موتاهم إلا فأين جثث هذه الوحوش والسباع وغيرها لا يرى منها شيء ، وليست قليلة فتخفى لقلتها بل لو قيل إنها أكثر من الناس لصدق القائل ، ولا نرى منها ميتا إلا الواحد بعد الواحد يصيده صائد ويفترسه سبع فإنهم إذا أحسوا بالموت كمنوا في مواضع خفية فيموتون فيها ، ولولا ذلك لامتلأت الصحاري من أمواتهم حتى تفسد رائحة الهواء وتحدث الأمراض والوباء . وتأمل وجه الذرة الحقيرة الصغيرة لا تجد فيه نقصا عما فيه صلاحها وكذا جميع أعضائها وجوارحها وأحشائها على صغر جرمها . وتأمل في النمل واهتدائها إلى ادخار قوتها وجمعه وتعاونها على النقل كتعاون الناس على العمل ، وعمدها إلى قطع الحب لكيلا ينبت ويفسد عليهم وإن أصابته نداوة أخرجوه ونشروه حتى يجف . وتأمل في الليث الذي تسميه العامة أسد الذباب وما أعطي من الحيلة والرفق في معاشه فإنك تراه حين يحس بالذباب وقع قريبا منه يميت نفسه حتى كأنه موات لا حراك فيه ، فإذا اطمأن الذباب منه دب دبيبا دقيقا بحيث يناله ثم يثب عليه ويشتمل عليه بجسده كله مخافة أن ينجو منه إلى أن يضعف فيفترسه . والعنكبوت ينسج ذلك النسج يتخذه شركا