السيد عبد الله الشبر

27

حق اليقين في معرفة أصول الدين

معذورين في تركهم اكتساب المعرفة باللّه تعالى متروكين على ما فطروا عليه مرضيا عنهم بمجرد الإقرار بالقول ولم يكلفوا بالاستدلالات العلمية في ذلك . قال نبينا عليه السّلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا اللّه ، وإنما التعمق والاستدلال لزيادة البصيرة ولطائفة مخصوصة وللرد على أهل الضلال . ولهذا أيضا أمرت الأنبياء عليهم السّلام بقتل من أنكر وجود الصانع فجأة بلا استتابة ولا عتاب لأنه ينكر ما هو من ضروريات الأمور ، وفي قوله سبحانه ألست بربكم إشارة لطيفة إلى ذلك فإنه سبحانه استفهم منهم الإقرار بربوبيته لا بوجوده تنبيها على أنهم كانوا مقرين بوجوده في بداية عقولهم وفطر نفوسهم . وسأل بعض أهل المعرفة عن الدليل على إثبات الصانع ، فقال لقد أغنى الصباح عن المصباح . واعلم أن أفهام الناس وعقولهم متفاوتة في قبول مراتب العرفان وتحصيل الاطمئنان كمّا وكيفا شدة وضعفا سرعة وبطءا حالا وعلما كشفا وعيانا ، وإن كان أصل المعرفة فطريا ضروريا أو يهتدي إليه بأدنى تنبيه فلكلّ طريقة هداه اللّه إليها إن كان من أهل الهداية والطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق وهم درجات عند اللّه يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ « 1 » . 5 - الايمان الفطري بوجود اللّه يشمل جميع الكائنات : أقول ويمكن ادّعاء أن وجود الصانع فطري بالنسبة إلى البهائم وسائر الحيوان فضلا عن أفراد الإنسان ففي الحديث ان سليمان بن داود خرج يستسقي فمر بنملة ملقاة على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول ، اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب غيرنا ، فقال سليمان : ارجعوا فقد سقيتم بغيركم . وفي الأخبار شواهد كثيرة على ذلك يقف عليها المتتبع . وحكى الفخر الرازي عن رجل أنه اتفق في بعض الأزمنة جدب وقحط شديد فخرج الناس إلى الصحراء للاستسقاء ودعوا فلم يستجب لهم قال الرجل فصعدت إلى الجبال فرأيت ظبيا يسرع إلى الماء من شدة العطش فلما انتهى إلى الغدير رآه جافا من الماء فتحير وجعل يكرر النظر إلى السماء ويحرك رأسه مرارا فظهرت سحابة وارتفعت وأمطرت حتى امتلأ ذلك الغدير فشرب الظبي ورجع .

--> ( 1 ) سورة المجادلة ؛ الآية : 11 .