السيد عبد الله الشبر

13

حق اليقين في معرفة أصول الدين

والحقيقة أنه لم تكن في ميزاته الباقية ضعف عن هذه ، غير أنه تعاهد هذه الناحية ونماها حتى ظهرت عليه بارزة لأمر لا يخفى على كل من ألمّ خبرة بذلك العصر ونزعاته وها هو ذا الأستاذ العلامة فضيلة الشيخ محمد رضا المظفر يحدثنا في مقدمة جامع السعادات عن القرن الثالث عشر وتولد النزعات فيه فيقول : وهذه الأخيرة خاصة - ويعني الأخبارية - ظهرت في ذلك القرن قوية مسيطرة على التفكير وتدعو إلى نفسها بصراحة لا هوادة فيها حتى إن الطالب الديني أصبح يجاهر بتطرفه ويغالي فلا يحمل مؤلفات العلماء الأصوليين إلا بمنديل خشية أن تنجس يده من ملامسة حتى جلدها . قال : ومن جهة أخرى يحدث رد فعل لهذا الغلو فينكر على الناس أن يركنوا إلى العقل وتفكيره ويلتجئ إلى تفسير التعبد بما جاء به الشرع الأقدس بمعنى الاقتصار على الأخبار الواردة في الكتب الموثوق بها في كل شيء والجمود على ظواهرها . ثم يدعو الغلو هؤلاء أن كل تلك الأخبار مقطوعة الصدور على ما فيها من اختلاف ثم يشتد بهم الغلو فيقولون بعدم جواز الأخذ بظواهر القرآن وحده من دون الرجوع إلى الأخبار الواردة ثم ضربوا بعد ذلك بعلم الأصول عرض الجدار بادعاء أن مبانيه كلها عقلية لا تستند إلى الأخبار ، والعقل أبدا لا يجوز الركون إليه في كل شيء ثم ينكرون الاجتهاد وجواز التقليد . انتهى . وكانت بلاد الكاظمية وهي من المراكز الدينية المرموقة من الأقطار الشيعية قد أو شكت أن تصبح قاعدة من القواعد الأخبارية فوجب والحال هذه أن تلمع شخصية العلامة شبر وهي شخصية علمية منظورة متسلحة بقوة الإرادة فعمدت لهذا التيار وصدت تلك الشبهات من أقرب الطرق وهي الإحاطة بالأخبار والتعمق فيها لتكون الحجة آكد والدليل ألزم فكانت حربا فكرية من غير تهريج وضجيج فرجل يفوقهم في الإحاطة بالأخبار ويجمع شاردها وواردها ويميز صحيحها من سقيمها وظاهرها من مدخولها مضافا إلى أنهم معترفون له بالإحاطة والتخصص ثم يخالفهم في مسالكهم ويكتب في نقدهم مثل رسالة « زبدة الدليل » في الفقه الاستدلالي ورسالة « منية المحصلين وأحقية طريقة المجتهدين » ورسالة « فتح باب العلم والرد على من يزعم انسداده » ورسالة « بغية الطالبين في صحة طريقة المجتهدين » كم ترى من الأثر لهذا المجاهد المناضل عن فقه آل محمد وكم أثر الموقف عندما يطوي المهاجم على نفسه . لقد كان سيدنا المترجم يعرف في الكاظمية ب « ابن صاحب الدعوة المستجابة » كما