حسن حسن زاده آملى

60

الحجج البالغة على تجرد النفس الناطقة

وغرضنا الأهم من نقل ما في رسائل الكندي في المقام هو كلام أفلاطن الدال على تجرّد النفس الناطقة تجرّدا تامّا عقليا . وخلاصة الدليل أنّ الإنسان بالتجرّد والتفرّد والإعراض عن الأحوال الدنيّة البهيمية والسبعية ، والانصراف إلى البحث عن حقائق الأشياء ، انكشف له علم الغيب ، وعلم بما يخفيه الناس ، واطلع على سرائر الخلق . وما هذا شأنه فليس إلا من وراء الطبيعة ، وأين للطبيعة الخروج عن حيّزها ، واطلاعها على المغيبات ، وصيرورتها عيبة للحقائق النورية ، والأمور الغيبية المحيطة على الزمان والمكان وسائر الأوصاف المادية ؟ ثمّ قال الكندي : انّ أفلاطن قاس القوّة الشهوانية التي للإنسان بالخنزير ، والقوة الغضبية بالكلب ، والقوّة العقلية بالملك . وقال : من غلب عليه الشهوانية وكانت هي غرضه وأكثر همته فقياسه قياس الخنزير ؛ ومن غلبت عليه الغضبية فقياسه قياس الكلب ؛ ومن كان الأغلب عليه قوّة النفس العقلية وكان أكثر أدبه الفكر والتمييز ومعرفة حقائق الأشياء ، والبحث عن غوامض العلم ، كان إنسانا فاضلا قريب الشبه من الباري سبحانه ؛ لأنّ الأشياء التي نجدها للبارى عزّ وجلّ هي الحكمة والقدرة والعدل والخير والجميل والحق . وقد يمكن للإنسان أن يدبّر نفسه بهذه الحيلة حسب ما في طاقة الإنسان فيكون حكيما عدلا جوادا خيرا يؤثر الحق والجميل ، ويكون بذلك كلّه بنوع دخل النوع الذي للبارى سبحانه من قوّته وقدرته ، لأنّها انّما اقتبست من قربها قدرة مشاكلة لقدرته . فانّ النفس على رأى أفلاطن وجلّة الفلاسفة باقية بعد الموت ، جوهرها كجوهر الباري عزّ وعلا في قوّتها إذا تجرّدت أن تعلم سائر الأشياء كما يعلم الباري بها ، أو دون ذلك برتبة يسيرة ، لأنّها أو دعت من نور الباري جلّ وعزّ . وإذا تجرّدت وفارقت هذا البدن وصارت في عالم العقل فوق الفلك صارت في نور الباري ، ورأت الباري عزّ وجلّ ، وطابقت نوره ، وجلّت في ملكوته ، فانكشف لها