حسن حسن زاده آملى
202
الحجج البالغة على تجرد النفس الناطقة
الحسية . ثمّ إنّ إدراك جوهر النفس ذاته أي علمه بنفس ذاته علم شهودي ، والعلم الذي فيه حدود وسطى ودلائل هي الوسائط في العلم هو علم فكري فأين أحدهما من الآخر ؟ . وقوله : « فإن كان المدرك فيها كلها نفس الإنسان الواحد . . . » نعم مدرك جميع الإدراكات الحسية والعقلية هو جوهر النفس الناطقة ، وجميع أفعال الإنسان مستند إلى هوية واحدة وهي ذات نفسه ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ( الأحزاب 5 ) ثمّ انّ إسناد كل واحد من الأفعال الحسيّة إلى آلة معيّنة وصدوره عنها لا يخرجه عن الإسناد إلى الهوية الواحدة فإنّ قوى النفس كلها من شؤونها . وجوهر النفس له فعلان أحدهما لا يحتاج فيه إلى آلات وإن كانت في بدء الأمر معدّات لاعتلائه الوجودي وارتقائه النوري وذلك كتعقله وعلمه بذاته وتلقّيه الحقائق من صقع الملكوت ؛ والآخر ما يفتاق فيه إليها وذلك كتعلّقه بالأشياء الخارجية الطبيعية . ولا يخفى عليك أنّ تلك الاعتراضات كأنها خزعبلات اشتغل بها صاحب المعتبر ، والحكيم لا يتفوّه بها ، والفيلسوف الإلهي بمعزل عنها ، نعم من كان متفلسفانيّا لا بأس به . وأمّا تقرير الحجة على ما في تجريد الاعتقاد وشرحه كشف المراد فنقول : المحقق الطوسي أشار إليها موجزا على دأبه في التجريد بقوله : « وهي جوهر مجرد . . . . ولاستلزام استغناء العارض استغناء المعروض » وعنى بالعارض التعقل ، وبالمعروض النفس . وكلام الشارح العلّامة في بيانه هو نحو ما تقدّم من شرح المحقق الطوسي على الإشارات في بيان الحجة ، ومع ذلك لعلّ في نقل عبارة الكشف مزيد إيضاح فيها ، قال : هذا وجه خامس يدلّ على تجرّد النفس العاقلة ، وتقريره : أنّ النفس تستغنى في عارضها وهو التعقّل عن المحل ، فتكون في ذاتها مستغنية عنه لأنّ استغناء العارض يستلزم استغناء المعروض لأنّ العارض محتاج إلى المعروض ، فلو كان المعروض محتاجا إلى شيء لكان العارض أولى بالاحتياج إليه فإذا استغنى العارض وجب استغناء المعروض . وبيان استغناء التعقّل عن المحلّ أنّ النفس تدرك ذاتها لذاتها لا لآلة ، وكذا تدرك آلتها ، وتدرك إدراكها لذاتها ولآلتها ، كلّ ذلك من غير آلة متوسطة بينها وبين هذه المدركات فإذن هي مستغنية في إدراكها لذاتها ولآلتها ولإدراكها عن