حسن حسن زاده آملى
130
الحجج البالغة على تجرد النفس الناطقة
فالوجوه في عبارة الأسفار محمول على الجمع المنطقي والمراد منه الوجهان الأوّل والثاني . وكلام صاحب المباحث في بيان هذا المسلك هكذا : الوجه الثالث أن نفرض الكلام في الأمور التي يستحيل عليها القسمة عقلا مثل الباري تعالى والوحدة ؛ وأيضا مثل البسائط التي تتألّف عنها المركبات فإنّ الحقائق إذا كانت مركبة فلا بدّ فيها من البسائط ضرورة أنّ كل كثرة فالواحد فيها موجود ؛ وحينئذ نقول : العلم المتعلق بها إن انقسم فإمّا أن يكون كل واحد من أجزائه علما أو لا يكون ، ونذكر التقسيم المذكور إلى آخره ، وهذا الوجه أحسن الوجوه الثلاثة . انتهى . ولا يخفى عليك أنّ أسلوب التحرير كما في المباحث أوفق بإبانة المراد من الأسفار وإن كان تحقيقات صاحب الأسفار في أثناء التحرير ممّا يختصّ هو بها . اعلم أنّ الوجه الثالث أي ذلك المسلك الآخر جعل في كثير من الصحف العقلية حجة على حدة على تجرّد النفس الناطقة كما سنتلوها عليك ، وغير واحد من أدلة تجرّدها يؤول إلى ذلك البرهان الأوّل من الشفاء ، وله شأن عظيم في تجرّدها ، وهو أصل قويم في ذلك بل أقوم البراهين وأمتنها على ذلك . والاعتراضات الواردة عليها داحضة جدّا كما سيأتي نقل بعضها وردّها . ثمّ قال صاحب الأسفار بعد تقرير الوجه الثالث ما هذا لفظه : أقول : لا نسلّم أنّ كل واحدة من النفوس البشرية أمكنها أن يتصوّر حقيقة هذه البسائط ، وأكثر الناس انّما يرتسم في أذهانهم إذا حاولوا إدراك هذه الأمور أشباح خيالية وحكايات متقدرة وأنّى لهم معرفة الباري ( جل ذكره ) ، والجواهر البسيطة العقلية ؟ ! نعم الحجة المذكورة أصح البراهين على تجرّد النفوس العارفة باللّه والصور المفارقة ، وتلك النفوس قليلة العدد جدا ، وأمّا سائر النفوس فهي مجرّدة عن الأجسام الطبيعية لا عن الصّور الخيالية . أقول : فالبرهان دال على تجرّد تلك النفوس القليلة العدد جدّا ، والأدلّة الّتي مرّ ذكرها دالة على تجرّدها عن الأجسام الطبيعية أيضا فأدلة تجرّد النفوس البشرية باقية على قوّتها في بقاء النفوس البشرية مع مدركاتها ؛ على أنّ إدراك كثير من البسائط