ابن قيم الجوزية

84

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « التقى مؤمنان على باب الجنة مؤمن غني ومؤمن فقير كانا في الدنيا فأدخل الفقير الجنة وحبس الغني ما شاء اللّه أن يحبس ، ثم أدخل الجنة فلقيه الفقير فقال أي أخي ما ذا حبسك واللّه لقد احتبست حتى خفت عليك ، فيقول أي أخي إني حبست بعدك محبسا فظيعا كريها . ما وصلت إليك حتى سال مني العرق ما لو ورده الف بعير كلها أكلة حمض لصدرت عنه » وقال الطبراني حدثنا محمد بن عبد اللّه الحضرمي وعلي بن عبد اللّه الرازي قالا حدثنا علي بن مهران العطار حدثنا عبد الملك بن أبي كريمة عن سفيان الثوري عن محمد بن زيد عن أبي حازم عن أبي هريرة قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم ، وذلك خمسمائة عام » وذكر الحديث بطوله والذي في الصحيح أن سبقهم لهم بأربعين خريفا . فأما أن يكون هو المحفوظ ، وإما أن يكون كلاهما محفوظا وتختلف مدة السبق بحسب أحوال الفقراء والأغنياء فمنهم من يسبق بأربعين ، ومنهم من يسبق بخمسمائة كما يتأخر مكث العصاة من الموحدين في النار بحسب أحوالهم واللّه أعلم ولكن هاهنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أنه لا يلزم من سبقهم لهم في الدخول ارتفاع منازلهم عليهم ، بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وإن سبقه غيره في الدخول ، والدليل على هذا أن من الأمة من يدخل الجنة بغير حساب وهم السبعون ألفا وقد يكون بعض من يحاسب أفضل من أكثرهم ، والغني إذا حوسب على غناه فوجد قد شكر اللّه تعالى فيه وتقرب إليه بأنواع البر والخير والصدقة والمعروف كان أعلى درجة من الفقير الذي سبقه في الدخول ولم يكن له تلك الأعمال ولا سيما إذا شاركه الغني في أعماله وزاد عليه فيها واللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا . فالمزية مزيتان مزية سبق ومزية رفعة ، وقد يجتمعان وينفردان فيحصل لواحد السبق والرفعة ، ويعدمهما آخر ، ويحصل لآخر السبق دون الرفعة ، ولآخر الرفعة دون السبق ، وهذا بحسب المقتضى للأمرين أو لأحدهما وعدمه ، وباللّه التوفيق . الباب التاسع والعشرون في ذكر أصناف أهل الجنة الذين ضمنت لهم دون غيرهم قال تعالى : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ . وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ