ابن قيم الجوزية
8
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
بسجن ضيق بين أرباب العاهات ، والبليات ، ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ، بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار ، والبكار أعربا أترابا كأنهن الياقوت والمرجان ، بقذرات دنسات سيئات الأخلاق مسافحات أو متخذات أخدان ، وحورا مقصورات في الخيام بخبيثات مسيبات بين الأنام ، وأنهارا من خمر لذة للشاربين ، بشراب نجس مذهب للعقل مفسد للدنيا والدين ، ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم ، بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم ، وسماع الخطاب من الرحمن ، بسماع المعازف والغناء والألحان ، والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد يوم المزيد ، بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطان مريد ، ونداء المنادى يا أهل الجنة إن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا ، وتحيوا فلا تموتوا وتقيموا فلا تظعنوا ، وتشبوا فلا تهرموا ، بغناء المغنين : وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخر عنه ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة * حبا لذكرك فليلمني اللوم وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة ، وإنما يتبين سفه بائعه يوم الحسرة والندامة ، إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفدا ، وسيق المجرمون إلى جهنم وردا ، ونادى المنادي على رؤوس الأشهاد ، ليعلمن أهل الموقف من أولى بالكرم من بين العباد ، فلو توهم المتخلف عن هذه الرفقة ما أعد اللّه لهم من الإكرام ، وأدخر لهم من الفضل والأنعام ، وما أخفى لهم من قرة أعين لم يقع على مثلها بصر ، ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر ، لعلم أي بضاعة أضاع ، وأنه لا خير له في حياته وهو معدود من سقط المتاع ، وعلى أن القوم قد توسطوا ملكا كبيرا لا تعتريه الآفات ، ولا يلحقه الزوال ، وفازوا بالنعيم المقيم في جوار الكبير المتعال ، فهم في روضات الجنة يتقلبون ، وعلى أسرتها تحت الحجال يجلسون وعلى الفرش التي بطائنها من إستبرق يتكئون ، وبالحور العين يتنعمون ، وبأنواع الثمار يتفكهون ، يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون ، وفاكهة مما يتخيرون ، ولحم طير مما يشتهون ، وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ؛ جزاء بما كانوا يعملون ، يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ، تاللّه لقد نودي عليها في سوق الكساد ، فما قلب ولا أسنام إلا أفراد من العباد ، فوا عجبا لها كيف نام طالبها ، وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها ،