ابن قيم الجوزية

79

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

الباب الرابع والعشرون في ذكر بوابي الجنة وخزنتها واسم مقدمهم ، ورئيسهم قال تعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها ، وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ والخزنة جمع خازن مثل حفظة وحافظ وهو المؤتمن على الشيء الذي قد استحفظه . وروى مسلم في صحيحه من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس رضي اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت ؟ فأقول محمد ، فيقول بلى أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك » وقد تقدم حديث أبي هريرة المتفق عليه « من أنفق زوجين في سبيل اللّه دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب أي فل هلمّ . قال أبو بكر يا رسول اللّه ذاك الذي لا توى « 1 » عليه فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إني لأرجو أن تكون منهم » وفي لفظ « هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ؟ قال : نعم وأرجو أن تكون منهم » لما سمت همة الصديق إلى تكميل مراتب الإيمان . وطمعت نفسه أن يدعى من تلك الأبواب كلها سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هل يحصل ذلك لأحد من الناس ليسعى في العمل الذي ينال به ذلك فخبره بحصوله وبشره بأنه من أهله . وكأنه قال هل تكمل لأحد هذه المراتب فيدعى يوم القيامة من أبوابها كلها ؟ فلله ما أعلى هذه الهمة وأكبر هذه النفس . قد سمى اللّه سبحانه وتعالى كبير هذه الخزنة رضوان وهو اسم مشتق من الرضا وسمى خازن النار مالكا وهو اسم مشتق من الملك وهو القوة والشدة حيث تصرفت حروفه . الباب الخامس والعشرون في ذكر أول من يقرع باب الجنة وقد تقدم حديث أنس ورواه الطبراني بزيادة فيه قال « فيقوم الخازن فيقول لا أفتح لأحد قبلك ولا أقوم لأحد بعدك » وذلك أن قيامه إليه صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة إظهارا لمزيته ورتبته ولا يقوم في خدمة أحد بعده بل خزنة الجنة يقومون في خدمته وهو كالملك عليهم وقد أقامه اللّه في خدمة عبده ورسوله حتى مشى إليه وفتح له الباب . وقد روى أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أنا أول من يفتح باب الجنة إلا أن

--> ( 1 ) بفتح التاء لا ضياع ولا خسارة .