ابن قيم الجوزية
61
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً قال الحافظ أبو عبد اللّه المقدسي لا أعلم بإسناد هذا الحديث بأسا . وسميت درجة النبي صلى اللّه عليه وسلم الوسيلة لأنها أقرب الدرجات إلى عرش الرحمن وهي أقرب الدرجات إلى اللّه وأصل اشتقاق لفظ الوسيلة من القرب وهي فعيلة من وسل إليه إذا تقرب إليه قال لبيد * بلى كل ذي رأي إلى اللّه واسل * ومعنى الوسيلة من الوصلة ولهذا كانت أفضل الجنة وأشرفها ، وأعظمها نورا . وقال صالح بن عبد الكريم قال لنا فضيل بن عياض أتدرون لم حسنت الجنة ؟ لأن عرش رب العالمين سقفها . وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس « نور سقف مساكنكم نور عرشه » وقال بكر عن أشعث عن الحسن : « إنما سميت عدن لأن فوقها العرش ومنها تفجر أنهار الجنة وللحور العدنية الفضل على سائر الحور والقربى والزلفى واحد ، وإن كان في الوسيلة معنى التقرب إليه بأنواع الوسائل » وقال الكلبي : « اطلبوا إليه القربة بالأعمال الصالحة » وقد كشف سبحانه عن هذا المعنى كل الكشف بقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ فقوله أيهم أقرب هو تفسير للوسيلة التي يبتغيها هؤلاء الذين يدعوهم المشركون من دون اللّه فيتنافسون في القرب منه ولما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعظم الخلق عبودية لربه وأعلمهم به وأشدهم له خشية وأعظمهم له محبة كانت منزلته أقرب المنازل إلى اللّه وهي أعلى درجة في الجنة وأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أمته أن يسألوها له لينالوا بهذا الدعاء زلفى من اللّه وزيادة الإيمان وأيضا فإن اللّه سبحانه قدرها له بأسباب ( منها ) دعاء أمته له بها بما نالوه على يده من الإيمان والهدى صلوات اللّه وسلامه عليه . وقوله : « حلت عليه يروي عليه » و « له » فمن رواه باللام فمعناه حصلت له ومن رواه بعلى فمعناه وقعت عليه شفاعتي واللّه أعلم . الباب التاسع عشر في عرض الرب تعالى سلعته الجنة على عباده وثمنها الذي طلبه منهم وعقد التبايع الذي وقع بين المؤمنين وبين ربهم قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ؟ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فجعل سبحانه هاهنا الجنة ثمنا لنفوس المؤمنين وأموالهم بحيث إذا بذلوها فيه