ابن قيم الجوزية
56
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خطا وقال هذا سبيل اللّه ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره ثم قال هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل » الآية فإن قيل فقد قال اللّه تعالى . قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ قيل هي سبل تجمع في سبيل واحد وهي بمنزلة الجواد والطرق في الطريق الأعظم فهذه هي شعب الإيمان يجمعها الإيمان وهو شعبة كما يجمع ساق الشجرة أغصانها وشعبها ، وهذه السبل هي إجابة داعي اللّه بتصديق خبره وطاعة أمره وطريق الجنة هي إجابة الداعي إليها ليس إلا ، وقد روى البخاري في صحيحه عن جابر قال : « جاءت ملائكة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال بعضهم إنه نائم وقال بعضهم العين نائمة والقلب يقظان فقالوا أن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا ، فقالوا مثله مثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ، فقالوا أولوها له يفقهها فقال بعضهم أن العين نائمة والقلب يقظان ، الدار الجنة والداعي محمد ، فمن أطاع محمدا فقد أطاع اللّه ومن عصى محمدا فقد عصى اللّه ومحمد فرق بين الناس » ورواه الترمذي عنه ولفظه « خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوما فقال إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي ، يقول أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا فقال اسمع سمعت أذنك ، واعقل عقل قلبك ، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل مائدة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه ، فاللّه هو الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد الرسول ، فمن أجابك دخل الإسلام ، ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل ما فيها » وصحح الترمذي من حديث عبد اللّه بن مسعود قال « صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم العشاء ثم انصرف فأخذ بيدي حتى خرج بي إلى بطحاء مكة فأجلسني ثم خط علي خطا ثم قال لا تبرحن خطك فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم فإنهم لا يكلمونك ثم مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حيث أراد فبينا أنا جالس في خطي إذ أتاني رجال كأنهم الزط أشعارهم وأجسامهم لا أرى عورة ولا أرى بشرا وينتهون إلي لا يجاوزون الخط ثم يصدرون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى إذا كان آخر الليل « 1 » لكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد جاءني وأنا
--> ( 1 ) من قوله لئن الخ كذا في النسخ ولعل في الحديث تحريفا فليراجع . ع .