ابن قيم الجوزية
37
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن أنت » الحديث وغير ممتنع أن يكون فيها من يعمل بأمر اللّه ويعبد اللّه قبل يوم القيامة بل هذا هو الواقع فإن من فيها الآن مؤتمرون بأوامر من قبل ربهم لا يتعدونها سواء سمي ذلك تكليفا أو لم يسم ( الوجه الثاني ) أن التكليف فيها لم يكن بالأعمال التي يكلف بها الناس في الدنيا من الصيام والصلاة والجهاد ونحوها وإنما كان حجرا عليهما في شجرة واحدة من جملة أشجارها إما واحدة بالعين أو بالنوع وهذا القدر لا يمتنع وقوعه في دار الخلد كما أن كل واحد محجور عليه أن يقرب أهل غيره فيها ، فإن أردتم بكونها ليست دار تكليف امتناع وقوع مثل هذا فيها في وقت من الأوقات فلا دليل عليه ، وإن أردتم أن تكاليف الدنيا منتفية عنها فهو حق ولكن لا يدل على مطلوبكم . وأما استدلالكم بنوم آدم فيها والجنة لا ينام أهلها ، فهذا إن ثبت النقل بنوم آدم فإنما ينفي النوم عن أهلها يوم دخول الخلود حيث لا يموتون وأما قبل ذلك فلا . وأما استدلالكم بقصة وسوسة إبليس له بعد اهباطه وإخراجه من السماء فلعمر اللّه إنه لمن أقوى الأدلة وأظهرها على صحة قولكم وتلك التعسفات لدخوله الجنة وصعوده إلى السماء بعد إهباط اللّه له منها لا يرتضيها منصف ، ولكن لا يمتنع أن يصعد إلى هنالك صعودا عارضا لتمام الابتلاء والامتحان الذي قدره اللّه تعالى وقدر أسبابه وإن لم يكن ذلك المكان مقعدا له مستقرا كما كان وقد أخبر اللّه سبحانه عن الشياطين أنهم كانوا قبل مبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقعدون من السماء مقاعد للسمع فيستمعون الشيء من الوحي وهذا صعود إلى هناك ولكنه صعود عارض لا يستقرون في المكان الذي يصعدون إليه مع قوله تعالى اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ * فلا تنافي بين هذا الصعود وبين الأمر بالهبوط فهذا محتمل واللّه أعلم . وأما استدلالكم بأن اللّه سبحانه أعلم آدم عليه السلام مقدار أجله وما ذكرتم من الحديث وتقرير الدلالة منه ، فجوابه أن إعلامه بذلك لا ينافي إدخاله جنة الخلد وإسكانه فيها مدة . وأما أخباره سبحانه أن داخلها لا يموت وأنه لا يخرج منها فهذا يوم القيامة . وأما احتجاجكم بكونه خلق من الأرض فلا ريب في ذلك ولكن من أين لكم أنه كمل خلقه فيها ، وقد جاء في بعض الآثار « أن اللّه سبحانه ألقاه على باب الجنة أربعين صباحا فجعل إبليس يطوف به ويقول لأمر ما خلقت ، فلما رآه أجوف علم أنه خلق لا يتمالك فقال لئن سلطت عليه لاهلكنه ، ولئن سلط علي لأعصينه » مع أن قوله سبحانه « وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ