ابن قيم الجوزية
35
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
آدم عليه السلام كان يعلم أن الدنيا منقضية فانية فلو كانت الجنة فيها لعلم كذب إبليس في قوله هل أدلك على شجرة الخلد ؟ فجوابه من وجهين ( أحدهما ) أن اللفظ إنما يدل على الخلد وهو أعم من الدوام الذي لا انقطاع له فإنه في اللغة المكث الطويل ومكث كل شيء بحسبه ، ومنه قولهم رجل مخلد إذا أسن وكبر ، ومنه قولهم لأثافي الصخور خوالد لطول بقائها بعد دروس الأطلال قال : إلا رمادا هامدا دفعت * عنه الرياح خوالد سحم ونظير هذا إطلاقهم القديم على ما تقادم عهده وإن كان له أول كما قال تعالى كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ و إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ و إِفْكٌ قَدِيمٌ وقد أطلق تعالى الخلود في النار على عذاب بعض العصاة كقاتل النفس وأطلقه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على قاتل نفسه ( الوجه الثاني ) أن العلم بانقطاع الدنيا ومجيء الآخرة إنما يعلم بالوحي ولم يتقدم لآدم عليه الصلاة والسلام نبوة يعلم بها ذلك وهو وإن نبأه اللّه سبحانه وتعالى وأوحى إليه وأنزل عليه صحفا كما في حديث أبي ذر لكن هذا بعد اهباطه إلى الأرض بنص القرآن قال تعالى : اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وكذلك في سورة البقرة : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً الآية . وأما قولكم أن الجنة وردت معرفة باللام التي للعهد فتنصرف إلى جنة الخلد فقد وردت معرفة باللام غير مراد بها جنة الخلد قطعا كقوله تعالى إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وقولكم أن السياق هاهنا دل على أنها جنة في الأرض « قلنا » والأدلة التي ذكرناها دلت على بيان جنة آدم عليه السلام في الأرض فلذلك صرنا إلى موجبها إذ لا يجوز تعطيل دلالة الدليل الصحيح . وأما استدلالكم بأثر أبي موسى « أن اللّه أخرج آدم عليه السلام من الجنة وزوده من ثمارها » فليس فيه زيادة على ما دل عليه القرآن الا تزوده منها وهذا لا يقتضي أن تكون جنة الخلد . وقولكم أن هذه تتغير وتلك لا تتغير فمن أين لكم أن الجنة التي أسكنها آدم كان التغير يعرض لثمارها كما يعرض لهذه الثمار وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم » أي لم يتغير ولم ينتن وقد أبقى اللّه سبحانه وتعالى في هذا العالم طعام العزير وشرابه مائة سنة لم يتغير . وأما قولكم أن اللّه سبحانه وتعالى ضمن لآدم عليه السلام إن تاب أن