ابن قيم الجوزية

32

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

جنة آدم لم تكن جنة الخلد التي وعد المتقون أن اللّه سبحانه لما خلقه أعلمه أن لعمره أجلا ينتهي إليه وأنه لم يخلقه للبقاء كما روى الترمذي في جامعه من حديث أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لما خلق اللّه آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد للّه فحمد اللّه بإذنه فقال ربه يرحمك اللّه يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقال السلام عليكم قالوا وعليك السلام الخ ثم رجع إلى ربه فقال إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال اللّه له ويداه مقبوضتان اختر أيهما شئت ، فقال اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته فقال يا رب ما هؤلاء ؟ قال هؤلاء ذريتك فإذا كل إنسان مكتوب بين عينيه عمره فإذا فيهم رجل أضوؤهم قال يا رب من هذا ؟ قال هذا ابنك داود قد كتبت له عمرا أربعين سنة قال يا رب زده في عمره ، قال ذلك الذي كتبت له قال أي رب فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة قال أنت وذلك ، قال ثم أسكن الجنة ما شاء اللّه ثم اهبط منها فكان آدم عليه السلام يعد لنفسه قال فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت قد كتبت لي ألف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة ، فجحد فجحدت ذريته . ونسي فنسيت ذريته . قال فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود » قال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه . وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة قالوا فهذا صريح في أن آدم عليه السلام لم يخلق في دار البقاء التي لا يموت من دخلها وإنما خلق في دار الفناء التي جعل اللّه تعالى لها ولسكانها أجلا معلوما وفيها أسكن . « فإن قيل » فإذا كان آدم عليه السلام قد علم أن له عمرا مقدرا وأجلا ينتهي إليه وأنه ليس من الخالدين فكيف لم يعلم كذب إبليس في قوله « هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ » وقوله « أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ » فالجواب من وجهين ( أحدهما ) أن الخلد لا يستلزم الدوام والبقاء بل هو المكث الطويل كما سيأتي ( الثاني ) إن إبليس لما حلف له وغره وأطعمه في الخلود نسي ما قدر له من عمره . قالوا وأيضا فمن المعلوم الذي لا ينازع فيه مسلم أن اللّه سبحانه خلق آدم عليه السلام من تربة هذه الأرض وأخبر أنه خلقه من سلالة من طين وأنه خلقه من صلصال من حمأ مسنون فقيل هو الذي له صلصلة ليبسه وقيل هو الذي تغيرت رائحته من قولهم صل اللحم إذا تغير . والحمأ الطين الأسود المتغير والمسنون المصبوب وهذه كلها أطوار للتراب الذي هو مبدؤه الأول كما أخبر عن أطوار خلق الذرية من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ولم يخبر سبحانه وتعالى أنه رفعه من