ابن قيم الجوزية

30

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ؟ » ومحال أن يكون هذا في جنة المأوى وقد أخبر اللّه تعالى عن إبليس أنه قال لآدم « هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى » فإن كان اللّه سبحانه وتعالى قد أسكن آدم جنة الخلد والملك الذي لا يبلى فكيف لم يرد عليه ويقول له كيف تدلني على شيء أنا فيه وقد أعطيته ولم يكن اللّه سبحانه وتعالى قد أخبر آدم إذ أسكنه الجنة أنه فيها من الخالدين ولو علم أنها دار الخلد لما ركن إلى قول إبليس ولا مال إلى نصيحته ولكنه لما كان في غير دار خلود غره بما أطمعه فيه من الخلد قالوا ولو كان آدم أسكن جنة الخلد وهي دار القدس التي لا يسكنها إلا طاهر مقدس فكيف توصل إليها إبليس الرجس النجس المذموم المدحور حتى فتن فيها آدم عليه السلام ووسوس له وهذه الوسوسة إما أن تكون في قلبه وإما أن تكون في أذنه ، وعلى التقديرين فكيف توصل اللعين إلى دخول دار المتقين وأيضا فبعد أن قيل له اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها أيفسح له أن يرقى إلى جنة المأوى فوق السماء السابعة بعد السخط عليه والإبعاد له والزجر والطرد بعتوه واستكباره ، وهل هذا يلائم قوله فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فإن كانت مخاطبته لآدم بما خاطبه به وقاسمه عليه ليست تكبرا فما التكبر بعد هذا ؟ فإن قلتم فلعل وسوسته وصلت إلى الأبوين وهو في الأرض وهما فوق السماء في عليين فهذا غير معقول لغة ولا حسا ولا عرفا وإن زعمتم أنه دخل في بطن الحية حتى أوصل إليهما الوسوسة فأبطل وأبطل ، إذ كيف يرتقي بعد الإهباط إلى أن يدخل الجنة ولو في بطن الحية وإذ قلتم إنه دخل في قلوبهما ووسوس إليهما فالمحذور قائم وأيضا فإن اللّه سبحانه وتعالى حكى مخاطبته لهما كلاما سمعناه شفاها : وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ وهذا دليل على مشاهدته لهما وللشجرة ولما كان آدم خارجا من الجنة وغير ساكن فيها قال اللّه تعالى له أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ولم يقل عن هذه الشجرة فعند ما قال لهما ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة لما أطعمهما في ملكها والخلود في مقرها أتى باسم الإشارة بلفظ الحضور تقريبا لها وإحضارا لها عندهما وربهما تعالى قال لهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ؟ ، ولما أراد إخراجهما منها فأتى باسم الإشارة بلفظ البعد والغيبة كأنهما لم يبق لهما من الجنة حتى ولا مشاهدة الشجرة التي نهيا عنها وأيضا فإنه سبحانه قال : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ووسوسة اللعين من أخبث الكلم فلا تصعد إلى محل القدس . قال منذر وقد روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أن آدم