ابن قيم الجوزية

285

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

وكأنه أخذ هذا من قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم لك الحمد كالذي تقول وخيرا مما تقول » وقد ذكرنا في أول الكتاب جملة مقالات أهل السنة والحديث التي أجمعوا عليها كما حكاه الأشعري عنهم ونحن نحكي إجماعهم كما حكاه حرب صاحب الإمام أحمد عنهم بلفظه ، قال في مسائله المشهورة هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق قال وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم وعبد اللّه بن مخلد وعبد اللّه بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم ، وكان من قولهم أن الإيمان يزيد وينقص * ويستثنى من الإيمان غير أن لا يكون الاستثناء شكا إنما هي سنة ماضية عند العلماء فإذا سئل الرجل أمؤمن أنت فإنه يقول أنا مؤمن إن شاء اللّه * أو مؤمن أرجوا ، ويقول آمنت باللّه وملائكته وكتبه ورسله ، ومن زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ * ومن زعم أن الإيمان هو القول والأعمال شرائع فهو مرجئ ، ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فقد قال بقول المرجئة ومن لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ * ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل والملائكة فهو مرجئ * ومن زعم أن المعرفة في القلب وإن لم يتكلم بها فهو مرجئ * والقدر خيره وشره وقليله وكثيره وظاهره وباطنه وحلوه ومره ومحبوبه ومكروهه وحسنه وسيئه وأوله وآخره من اللّه عز وجل قضاء قضاه على عباده . وقدر قدره عليهم لا يعدو واحد ، منهم مشيئة اللّه ولا يجاوزه قضاه بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له ، واقعون فيما قدر عليه وهو عدل منه جل ربنا وعز ، والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك والمعاصي كلها بقضاء اللّه من غير أن يكون لأحد من خلقه على اللّه حجة بل للّه الحجة البالغة على خلقه ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، وعلم اللّه عز وجل ماض في خلقه بمشيئة منه فهو سبحانه قد علم من إبليس ومن غيره ممن عصاه من لدن عصى اللّه تبارك وتعالى إلى قيام الساعة المعصية وخلقهم لها ، وعلم الطاعة من أهل الطاعة وخلقهم لها ، فكل يعمل لما خلق له وصائر إلى ما قضى عليه لا يعدو أحد منهم قدر اللّه ومشيئته ، واللّه الفعال لما يريد ،