ابن قيم الجوزية
281
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
الأربعة ممكنة مقدورة للرب تعالى ولا يستلزم جمعا بين النقيضين ولا شيئا من المحال ولا حاجة إلى تكلف من قال أن الذبح لملك الموت فهذا كله من الاستدراك الفاسد على اللّه ورسوله والتأويل الباطل الذي لا يوجبه عقل ولا نقل وسببه قلة الفهم لمراد الرسول صلى اللّه عليه وسلم من كلامه فظن هذا القائل أن لفظ الحديث يدل على أن نفس العرض يذبح وظن غالط آخر أن العرض يعدم ويزول ويصير مكانه جسم يذبح ولم يهتد الفريقان إلى هذا القول الذي ذكرناه وأن اللّه سبحانه ينشئ من الأعراض أجساما ويجعلها مادة لها كما في الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم « تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان » الحديث فهذه هي القراءة التي ينشئها اللّه سبحانه غمامتين وكذلك قوله في الحديث الآخر « إن ما تذكرون من جلال اللّه من تسبيحه وتحميده وتهليله يتعاطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن » ذكره أحمد وكذلك قوله في حديث عذاب القبر ونعيمه للصورة التي يراها « فيقول من أنت فيقول أنا عملك الصالح وأنا عملك السيئ » وهذا حقيقة لا خيال ولكن اللّه سبحانه أنشأ له من عمله صورة حسنة وصورة قبيحة وهل النور الذي يقسم بين المؤمنين يوم القيامة إلا نفس إيمانهم أنشأ اللّه سبحانه لهم منه نورا يسعى بين أيديهم فهذا أمر معقول لو لم يرد به النص فورود النص به من باب تطابق السمع والعقل ( وقال ) سعيد عن قتادة بلغنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة وبشارة حسنة فيقول له من أنت فو اللّه أني لأراك أمرأ الصدق فيقول له أنا عملك فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة . وأما الكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة وبشارة سيئة فيقول ما أنت فو اللّه إني لأراك امرأ السوء فيقول له أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار » وقال مجاهد مثل ذلك وقال ابن جريج يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت فيقول أنا عملك فيجعل له نورا بين يديه حتى يدخله الجنة فذلك قوله يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة فيلازم صاحبه وبلاده حتى يقذفه في النار ، وقال ابن المبارك حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن أنه ذكر هذه الآية أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قال علموا أن لك نعيم بعده الموت أنه يقطعه فقالوا أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين قيل لا قالوا أن هذا لهو الفوز العظيم وكان يزيد الرقاشي يقول في كلامه أمن أهل الجنة من الموت