ابن قيم الجوزية
28
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
بلفظ التثنية فأما أن يكون لآدم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الأكل من الشجرة وأقدما على المعصية ، وإما أن يكون لآدم وإبليس إذ هما أبوا الثقلين وأصلا الذرية فذكر حالهما ومآل أمرهما ليكون عظة وعبرة لأولادهما وقد حكيت القولين في ذلك والذي يوضح أن الضمير في قوله اهبطا منها جميعا لآدم وإبليس أن اللّه سبحانه لما ذكر المعصية أفرد بها آدم دون زوجه فقال « وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً » وهذا يدل على أن المخاطب بالإهباط هو آدم ومن زين له المعصية ودخلت الزوجة تبعا فإن المقصود إخبار اللّه تعالى للثقلين بما جرى على أبويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر فذكر أبويهما أبلغ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الإنس فقط وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنها أكلت مع آدم وأخبر أنه أهبطه وأخرجه من الجنة بتلك الأكلة فعلم أن حكم الزوجة كذلك وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم ، وكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريده إلى ذكر أبي الإنس وأمهم فتأمله . وبالجملة فقوله اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ * ظاهر في الجمع فلا يسوغ حمله على الاثنين في قوله اهْبِطا من غير موجب . فالواو أيضا فالجنة جاءت معرفة بلام التعريف في جميع المواضع كقوله اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ * ونظائره ولا جنة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلا جنة الخلد التي وعد الرحمن عباده بالغيب فقد صار هذا الاسم علما عليها بالغلبة كالمدينة والنجم والبيت والكتاب ونظائرها فحيث ورد لفظها معرفا انصرف إلى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين وأما إن أريد به جنة غيرها فإنها تجيء منكرة أو مقيدة بالإضافة ، أو مقيدة من السياق بما يدل على أنها جنة في الأرض فالأول كقوله جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ والثاني كقوله وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ والثالث كقوله إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ قالوا ومما يدل على أن جنة آدم هي جنة المأوى ما روى هوذة بن خليفة عن عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى الأشعري قال : « إن اللّه تعالى لما أخرج آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة وعلمه صنعة كل شيء فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير » قالوا وقد ضمن اللّه سبحانه وتعالى له أن تاب إليه وأناب أن يعيده إليها كما روى المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ قال ( يا رب ألم تخلقني بيدك ؟ قال بلى ، قال أي رب ألم تنفخ في من روحك ؟ قال بلى ، قال أي رب ألم تسكني جنتك ؟ قال بلى ،