ابن قيم الجوزية
263
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
وإجلاله وتعظيمه وعبوديته وهذه لها أثار تطلبها وتقتضيها فتدوم آثارها بدوام متعلقها * وأما الشرور فليست مقصودة لذاتها ولا هي الغاية التي خلق لها الخلق فهي مفعولات قدرت لأمر محبوب وجعلت وسيلة إليه فإذا حصل ما قدرت له اضمحلت وتلاشت وعاد الأمر إلى الخير المحض ( الوجه الرابع عشر ) أنه سبحانه قد أخبر أن رحمته وسعت كل شيء فليس شيء من الأشياء إلا وفيه رحمته ولا ينافي هذا أن يرحم العبد بما يشق عليه ويؤلمه وتشتد كراهته له فإن ذلك من رحمته أيضا كما تقدم * وقد ذكرنا حديث أبي هريرة آنفا وقوله تعالى لذينك الرجلين * رحمتي لكما أن تنطلقا فتنقيا أنفسكما حيث كنتما من النار * وقد جاء في بعض الآثار أن العبد إذا دعا لمبتلى قد اشتد بلاؤه وقال اللهم ارحمه يقول الرب تبارك وتعالى كيف أرحمه من شيء به أرحمه فالابتلاء رحمة منه لعباده ( وفي أثر إلهي ) يقول اللّه تعالى : « أهل ذكرى أهل مجالستي * وأهل طاعتي أهل كرامتي ، وأهل شكري أهل زيادتي ، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب » فالبلاء والعقوبة أدوية قدرت لإزالة أدواء لا تزول إلا بها والنار هي الدواء الأكبر فمن تداوى في الدنيا أغناه ذلك عن الدواء في الآخرة وإلا فلا بد له من الدواء بحسب دائه ومن عرف الرب تبارك وتعالى بصفات جلاله ونعوت كماله من حكمته ورحمته وبره وإحسانه وغناه وجوده وتحببه إلى عباده وإرادة الأنعام عليهم وسبق رحمته لهم لم يبادر إلى إنكار ذلك إن لم يبادر إلى قبوله ( يوضحه الوجه الخامس عشر ) أن أفعاله سبحانه لا تخرج عن الحكمة والرحمة والمصلحة والعدل فلا يفعل عبثا ولا جورا ولا باطلا بل هو المنزه عن ذلك كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص * وإذا ثبت ذلك فتعذيبهم إن كان رحمة بهم حتى يزول ذلك الخبث وتكمل الطهارة فظاهر ، وإن كان لحكمة فإذا حصلت تلك الحكمة المطلوبة زال العذاب وليس في الحكمة دوام العذاب أبد الآباد بحيث يكون دائما بدوام الرب تبارك وتعالى وإن كان لمصلحة فإن كان يرجع إليهم فليست مصلحتهم في بقائهم في العذاب كذلك ، وإن كانت المصلحة تعود إلى أوليائه فإن ذلك أكمل في نعيمهم فهذا لا يقتضي تأييد العذاب وليس نعيم أوليائه وكماله موقوفا على بقاء آبائهم وأبنائهم وأزواجهم في العذاب السرمد * فإن قلتم إن ذلك هو موجب الرحمة والحكمة والمصلحة قلتم ما لا يعقل ، وإن قلتم إن