ابن قيم الجوزية

260

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

وهم لما أغضبوا الرب تعالى وقابلوه بما لا يليق أن يقابل به وعاملوه أقبح المعاملة وكذبوه وكذبوا رسله وجعلوا أقل خلقه وأخبثهم وأمقتهم له ندا له وآلهة معه وآثروا رضاهم على رضاه وطاعتهم على طاعته وهو ولي الأنعام عليهم وهو خالقهم ورازقهم ومولاهم الحق اشتد مقته لهم وغضبه عليهم وذلك يوجب كمال أسمائه وصفاته التي يستحيل عليه تقدير خلافها ويستحيل عليه تخلف آثارها ومقتضاها عنها بل ذلك تعطيل لأحكامها كما أن نفيها عنه تعطيل لحقائقها وكلا التعطيلين محال عليه سبحانه ، فالمعطلون نوعان ( أحدهما ) عطل صفاته و ( الثاني ) عطل أحكامها وموجباتها وكان هذا العذاب عقوبة لهم من هذا الوجه ودواء لهم من جهة الرحمة السابقة للغضب فاجتمع فيه الأمران * فإذا زال الغضب بزوال سببه وزالت المادة الفاسدة بتغيير الطبيعة المقتضية لها في الجحيم بمرور الأحقاب عليها وحصلت الحكمة التي أوجبت العقوبة عملت الرحمة عملها وطلبت أثرها من غير معارض ( يوضحه الوجه الحادي عشر ) وهو أن العفو أحب إليه سبحانه من الانتقام ، والرحمة أحب إليه من العقوبة * والرضا أحب إليه من الغضب * والفضل أحب إليه من العدل * ولهذا ظهرت آثار هذه المحبة في شرعه وقدره ويظهر كل الظهور لعباده في ثوابه وعقابه ، وإذا كان ذلك أحب الأمرين إليه وله خلق الخلق وأنزل الكتب وشرع الشرائع وقدرته سبحانه صالحة لكل شيء لا قصور فيها بوجه ما ، وتلك المواد الردية الفاسدة مرض من الأمراض وبيده سبحانه الشفاء التام والأدوية الموافقة لكل داء ، وله القدرة التامة والرحمة السابغة والغنى المطلق ، وبالعبد أعظم حاجة إلى من يداوي علته التي بلغت به غاية الضرر والمشقة وقد عرف العبد أنه عليل وأن دواءه بيد الغني الحميد ، فتضرع إليه ودخل به عليه واستكان له وانكسر قلبه بين يديه وذل لعزته وعرف أن الحمد كله له . وأن الخلق كله له وأنه هو الظلوم الجهول وأن ربه تبارك وتعالى عامله بكل عدله لا ببعض عدله وأن له غاية الحمد فيما يفعل به ، وأن حمده هو الذي أقامه في هذا المقام وأوصله إليه وأنه لا خير عنده من نفسه بوجه من الوجوه بل ذلك محض فضل اللّه وصدقته عليه وأنه لا نجاة له مما هو فيه إلا بمجرد العفو والتجاوز عن حقه فنفسه أولى بكل ذم وعيب ونقص وربه تعالى أولى بكل حمد وكمال ومدح ، فلو أن أهل الجحيم شهدوا نعمته سبحانه ورحمته وكماله وحمده الذي أوجب لهم ذلك فطلبوا مرضاته ولو بدوامهم في تلك الحال وقالوا إن