ابن قيم الجوزية

26

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ فهذا يدل على أن هبوطهم كان من الجنة إلى الأرض من وجهين ( أحدهما ) من لفظة اهبطوا فإنه نزول من علو إلى أسفل و ( الثاني ) قوله ولكم في الأرض مستقر عقب قوله اهبطوا فدل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض ثم أكد هذا بقوله في سورة الأعراف قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ ، وَمِنْها تُخْرَجُونَ ولو كانت الجنة في الأرض لكانت حياتهم فيها قبل الإخراج وبعده قالوا وقد وصف سبحانه جنة آدم بصفات لا تكون إلا في جنة الخلد فقال : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى وهذا لا يكون في الدنيا أصلا فأن الرجل ولو كان في أطيب منازلها لا بد أن يعرض له شيء من ذلك وقابل سبحانه بين الجوع والظمأ والعري والضحى فإن الجوع ذل الباطن والعرى ذل الظاهر والظمأ حر الباطن والضحى حر الظاهر فنفى عن سكانها ذل الظاهر والباطن وحر الظاهر والباطن وذلك أحسن من المقابلة بين الجوع والعطش والعرى والضحى وهذا شأن ساكن جنة الخلد . قالوا وأيضا فلو كانت تلك الجنة في الدنيا لعلم آدم كذب إبليس في قوله « هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى » فأن آدم كان يعلم أن الدنيا منقضية فانية وأن ملكها يبلى ، قالوا وأيضا هذه القصة في سورة البقرة ظاهرة جدا في أن الجنة التي أخرج منها فوق السماء فإنه سبحانه قال : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ، فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ فهذا إهباط آدم وحواء وإبليس من الجنة فلهذا أتى فيه بضمير الجمع وقد قيل إن الخطاب لهما وللحية وهذا ضعيف جدا إذ لا ذكر للحية في شيء من قصة آدم ولا في السياق ما يدل عليها . وقيل الخطاب لآدم وحواء وأتى فيه بضمير الجمع كقوله وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ وهما داود وسليمان وقيل لآدم وحواء وذريتهما وهذه الأقوال ضعيفة غير الأول لأنها بين قول لا دليل عليه وبين ما يدل اللفظ على خلافه فثبت أن إبليس داخل في هذا الخطاب وأنه من المهبطين فإذا تقرر هذا فقد ذكر سبحانه الإهباط ثانيا بقوله قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ