ابن قيم الجوزية
23
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
( الباب الثاني ) ( في اختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم عليه الصلاة والسلام وأهبط منها هل هي جنة الخلد أو جنة أخرى غيرها في موضع عال من الأرض ) قال منذر بن سعيد في تفسيره وأما قوله تعالى لآدم اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ * فقالت طائفة أسكن اللّه آدم جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة وقال آخرون هي جنة غيرها جعلها اللّه له وأسكنه إياها ليست جنة الخلد ، قال وهذا قول تكثر الدلائل الشاهدة له والموجبة للقول به وقال أبو الحسن الماوردي في تفسيره واختلف الناس في الجنة التي أسكناها على قولين ( أحدهما ) أنها جنة الخلد ( الثاني ) أنها جنة أعدها اللّه تعالى لهما وجعلها دار ابتلاء وليست هي جنة الخلد التي جعلها دار جزاء ، ومن قال بهذا اختلفوا فيه على قولين ( أحدهما ) أنها في السماء لأنه أهبطهما منها وهذا قول الحسن ( الثاني ) أنها في الأرض لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار ، وهذا قول ابن بحر وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام واللّه أعلم بصواب ذلك هذا كلامه وقال ابن الخطيب في تفسيره المشهور واختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية هل كانت في الأرض أو في السماء ؟ وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب وجنة الخلد أو جنة أخرى ؟ فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصبهاني هذه الجنة في الأرض وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله « اهبطوا مصرا » واحتجا عليه بوجوده . ( القول الثاني ) وهو قول الجبائي أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة ( والقول الثالث ) وهو قول جمهور أصحابنا أن هذه الجنة هي دار الثواب . وقال أبو القاسم الراغب في تفسيره واختلف في الجنة التي أسكنها آدم فقال بعض المتكلمين كان بستانا جعله اللّه تعالى له امتحانا ولم تكن جنة المأوى وذكر بعض الاستدلال على القولين وممن ذكر الخلاف أيضا أبو عيسى الرماني في تفسيره واختار أنها جنة الخلد ثم قال والمذهب الذي اخترناه قول الحسن وعمرو وواصل وأكثر أصحابنا وهو قول أبي علي وشيخنا أبي بكر وعليه أهل التفسير واختار ابن الخطيب التوقف في المسألة وجعله قولا رابعا فقال ( والقول الرابع ) إن الكل ممكن والأدلة متعارضة فوجب التوقف وترك القطع قال منذر بن سعيد والقول بأنها جنة في الأرض