ابن قيم الجوزية

196

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم * اتفق عليها الأنبياء والمرسلون . وجميع الصحابة والتابعون . وأئمة الإسلام على تتابع القرون . وأنكرها أهل البدع المارقون . والجهمية المتهوكون والفرعونية المعطلون . والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون . والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون . ومن حبل اللّه منقطعون وعلى مسبة أصحاب رسول اللّه عاكفون . وللسنة وأهلها محاربون ولكل عدو للّه ورسوله ودينه مسالمون . وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون وعن بابه مطرودون . أولئك أحزاب الضلال وشيعة اللعين . [ ( فصل ) الدليل الأول ] وأعداء الرسول وحزبه وقد أخبر اللّه سبحانه عن أعلم الخلق به في زمانه . وهو كليمه ونجيه وصفيه من أهل الأرض أنه سأل ربه تعالى النظر إليه فقال ربه تبارك وتعالى : لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وبيان الدلالة من هذه الآية وجوه عديدة ( أحدها ) أنه لا يظن بكليم الرحمن ورسوله الكريم عليه أن يسأل ربه ما لا يجوز عليه بل هو من أبطل الباطل وأعظم المحال وهو عند فروخ اليونان والصابئة والفرعونية بمنزلة أن يسأله أن يأكل ويشرب وينام ونحو ذلك مما يتعالى اللّه عنه فيما للّه العجب كيف صار أتباع الصابئة والمجوس والمشركين عباد الأصنام وفروخ الجهمية والفرعونية أعلم باللّه تعالى من موسى بن عمران . وبما يستحيل عليه ويجب له وأشد تنزيها له منه ! ! ؟ ( الوجه الثاني ) أن اللّه سبحانه وتعالى لم ينكر عليه سؤاله ولو كان محالا لأنكره عليه . ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه تبارك وتعالى أن يريه كيف يحيي الموتى لم ينكر عليه . ولما سأل عيسى بن مريم ربه إنزال المائدة من السماء لم ينكر سؤاله . ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال « إني أعظك أن تكون من الجاهلين . قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وألا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين » ( الوجه الثالث ) أنه أجابه بقوله لن تراني ولم يقل لا تراني ولا أني لست بمرئي ولا تجوز رؤيتي والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله . وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يرى ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤيته تعالى « يوضحه الوجه الرابع » وهو قوله ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجليه له في هذه الدار فكيف بالبشر الضعيف الذي خلق من ضعف ( الوجه الخامس ) أن اللّه سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الجبل مستقرا مكانه وليس هذا