ابن قيم الجوزية

172

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

سبحانه أنه يكرمهم بإلحاق ذرياتهم الذين كانوا لهم بهم في الدنيا ولو كان ينشأ لهم في الجنة ذرية أخرى لذكرهم كما ذكر ذرياتهم الذين كانوا في الدنيا لأن قرة أعينهم كانت تكون بهم كما هي بذرياتهم من أهل الدنيا ( الثامن ) إنه إما أن يقال باستمرار التناسل فيها لا إلى غاية أو إلى غاية ثم تنقطع وكلاهما مما لا سبيل إلى القول به لاستلزام الأول اجتماع أشخاص لا تتناهى واستلزام الثاني انقطاع نوع من لذة أهل الجنة وسرورهم وهو محال ولا يمكن أن يقال بتناسل بموت معه نسل ويخلفه نسل إذ لا موت هناك ( التاسع ) أن الجنة لا ينمو فيها الإنسان كما ينمو في الدنيا فلا ولدان أهلها ينمون ويكبرون ولا الرجال ينمون كما تقدم بل هؤلاء ولدان صغار لا يتغيرون ، وهؤلاء أبناء ثلاث وثلاثين لا يتغيرون ، فلو كان في الجنة ولادة لكان المولود ينمو ضرورة حتى يصير رجلا ومعلوم أن من مات من الأطفال يردون أبناء ثلاث وثلاثين من غير نمو يوضحه ( الوجه العاشر ) أن اللّه سبحانه وتعالى ينشئ أهل الجنة نشأة الملائكة أو أكمل من نشأتهم بحيث لا يبولون ولا يتغوطون ولا ينامون ويلهمون التسبيح ولا يهرمون على تطاول الأحقاب ولا تنمو أبدانهم بل القدر الذي جعلوا عليه لازم لهم أبدا واللّه أعلم فهذا ما في المسألة ، فأما قول بعضهم إن القدرة صالحة والكل ممكن وقول آخرين أن الجنة دار المكلفين التي يستحقونها بالعمل وأمثال هذه المباحث فرخيصة وهي في كتب الناس وباللّه التوفيق قال الحاكم قال الأستاذ أبو سهل أهل الزيغ ينكرون هذا الحديث يعني حديث الولادة في الجنة وقد روي فيه غير إسناد وسئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك فقال يكون ذلك على نحو مما روينا واللّه سبحانه وتعالى يقول وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وليس بالمستحيل أن يشتهي المؤمن الممكن من شهواته المصفى المقرب المسلط على لذاته قرة عين وثمرة فؤاد من الذين أنعم اللّه عليهم بأزواج مطهرة « فإن قيل » ففي الحديث أنهن لا يحضن ولا ينفسن فأين يكون الولد ؟ « قلت » الحيض سبب الولادة الممتد مدة بالحمل على الكثرة والوضع عليه كما أن جميع بلاد الدنيا من المشارب والمطاعم والملابس على ما عرف من التعب والنصب وما يعقبه كل منهما مما يحذر منه ويخاف ، من عواقبه وهذه خمرة الدنيا المحرمة المستولية على كل بلية قد أعدها اللّه تعالى لأهل الجنة منزوعة البلية موفرة اللذة فلم لا يجوز أن يكون على مثله الولد ! ! ! انتهى كلامه « قلت » النافون للولادة في الجنة لم ينفوها لزيغ قلوبهم ولكن لحديث أبي رزين « غير أن لا توالد » وقد