ابن قيم الجوزية
17
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
بذلك أنه لا يراه في الدنيا بل يراه في الآخرة ، ولا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر ، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر والإيمان عندهم هو الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره ، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم ، والإسلام هو أن يشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه كما جاء في الحديث والإسلام عندهم غير الإيمان ، ويقرون بأن اللّه مقلب القلوب ، ويقرون بشفاعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنها لأهل الكبائر من أمته ، وبعذاب القبر وأن الحوض حق والصراط حق والبعث بعد الموت حق ، والمحاسبة من اللّه لعباده حق ، والوقوف بين يدي اللّه تعالى حق ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق ويقولون أسماء اللّه هي اللّه تعالى ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين حتى يكون اللّه تعالى ينزلهم حيث شاء ، ويقولون أمرهم إلى اللّه إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم ، ويؤمنون بأن اللّه تعالى يخرج قوما من الموحدين من النار على ما جاءت به الروايات عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وينكرون الجدال والمراء في الدين والخصومة في القدر والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من دينهم بالتسليم للروايات الصحيحة ، ولما جاءت به الآثار التي رواها الثقات عدلا عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا يقولون كيف ولا لم ؟ لأن ذلك بدعة ويقولون إن اللّه تعالى لم يأمر بالشر ، بل نهى عنه وأمر بالخير ، ولم يرض بالشرك وإن كان مريدا له ، ويعرفون حق السلف الذين اختارهم اللّه تعالى لصحبة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، ويأخذون بفضائلهم ويمسكون عما شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم ، ويقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليا رضي اللّه عنهم ويقرون بأنهم الخلفاء الراشدون المهديون ، وأنهم أفضل الناس كلهم بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أن اللّه ينزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر ؟ » كما جاء في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ويرون أتباع من سلف من أئمة الدين وأن لا يتبعوا في دينهم ما لم يأذن به اللّه ويقرون أن اللّه تعالى يجيء يوم القيامة كما قال وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وأن اللّه ، تعالى يقرب من خلقه كيف شاء كما قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ويرون