ابن قيم الجوزية
15
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
الباب الأول في بيان وجود الجنة الآن لم يزل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم ، فأنهم دعوا الأمم إليها ، وأخبروا بها إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون مخلوقة الآن ، وقالت بل اللّه ينشئها يوم القيامة ، وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة فيما يفعله اللّه ، وأنه ينبغي له أن يفعل كذا ولا ينبغي له أن يفعل كذا ، وقاسوه على خلقه في أفعالهم فهم مشبهة في الأفعال ، ودخل التجهم فيهم فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات ، وقالوا خلق الجنة قبل الجزاء عبث فإنها تصير معطلة مددا متطاولة ليس فيها سكانها ، قالوا ومن المعلوم أن ملكا لو اتخذ دارا وأعد فيها ألوان الأطعمة والآلات والمصالح وعطلها من الناس ولم يمكنهم من دخولها قرونا متطاولة لم يكن ما فعله واقعا على وجه الحكمة ، ووجد العقلاء سبيلا إلى الاعتراض عليه ، فحجروا على الرب تعالى بعقولهم الفاسدة ، وآرائهم الباطلة ! ! وشبعوا أفعاله بأفعالهم وردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب أو حرفوها عن مواضعها وضللوا وبدعوا من خالفهم فيها ، والتزموا فيها لوازم أضحكوا عليهم فيها العقلاء ولهذا يذكر السلف في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان ويذكر من صنف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث قاطبة لا يختلفون فيها ( قال ) أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المضلين ، جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار باللّه وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند اللّه وما رواه الثقات عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يردون من ذلك شيئا وأن اللّه تعالى إله واحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا . وأن محمدا عبده ورسوله